بقلم : شريف عبد الرحمن سيف النصر الأربعاء 16-12-2015 الساعة 01:34 ص

الإرهاب كجماعة وظيفية

شريف عبد الرحمن سيف النصر

يعرّف الدكتور عبد الوهاب المسيري الجماعات الوظيفية على أنها تلك المجموعات البشرية التي تقوم بوظائف خاصة، يرى أعضاء المجتمع أنهم لا يمكنهم الاضطلاع بها لأسباب مختلفة. فقد يرى المجتمع في مجموعة من الوظائف أنها وظائف مشينة ولا تحظى بالاحترام فيقبل بأن تقوم بها جماعة على هامش المجتمع وليست منه. وقد يلجأ المجتمع إلى استخدام العنصر البشري الوظيفي لملء فجوة تنشأ بين رغبات المجتمع وحاجاته من ناحية ومقدرته على إشباع هذه الرغبات والوفاء بها من ناحية أخرى. كما قد يقوم المجتمع بإسناد الوظائف ذات الحساسية الخاصة إلى أعضاء الجماعات الوظيفية.

ويمكن بطبيعة الحال تضييق نطاق هذا التعريف، بالتركيز على مستوى السلطة أو النظام، وهنا لا يقوم المجتمع ككل بتخصيص هذه الوظائف ولكن تقوم السلطة فقط بهذا التخصيص. فمن البدهي أن الأنظمة — وخصوصا المستبدة منها — تحتاج إلى جماعات وظيفية لتقوم بمجموعة أدوار لازمة لاستمرار هذه الأنظمة فى مواقعها، فقد تحتاج مثلا إلى جماعات للقيام بدور المعارضة، وقد تحتاج إلى جماعات للقيام بمهام التجسس على الآخرين، وقد تحتاج — وهذا ما نناقشه هنا— إلى مجموعات مارقة، تبرر من خلال ادعاء التصدي لها مشروعية بقائها فى الحكم، وخصوصا إذا ما كانت هذه الأنظمة تفتقر إلى أي إنجازات حقيقية على الأرض.

والفرض الأساسي في إطار هذا التصور أن ثمة دورا وظيفيا تمارسه الجماعات المسلحة بالنسبة للدول والأنظمة وخصوصا الاستبدادية منها، حيث تقوم هذه الأنظمة باستغلال مشاعر الخوف، أو خلقها خلقا إذا لم تكن قائمة، والمبالغة فى تصوير قدرات هذه الجماعات وإظهارها في صورة الخطر المحدق والوشيك الذي يهدد المجتمع والدولة. ومن هذا المنطلق الوظيفي، يمكن تصور أن أنظمة الاستبداد توظف من تطلق عليهم الجماعات الإرهابية لتحقيق أهداف معينة. صحيح أن التعاقد هنا لا يكون تعاقدا فعلياً، كما لا يشترط أن ينهض على بعد مؤامراتي، (اتفاق أو تواطؤ بين الأنظمة وبين الجماعات المسلحة أو على الأقل قادتها والمحركين لها)، ولكنه ينهض على أساس موضوعي، بحيث تستفيد الأنظمة من وجود هذه الجماعات المسلحة (التي تشتكي من وجودها طوال الوقت)، عبر الادعاء بأنها بمثابة تحد يهدد بقاء دولها، ويعترض خططها الخاصة بالتنمية والنهضة، لكي تكتسب من خلال زعم التصدي لها صكوكا للشرعية، تعوض بها ضعف أدائها أو بالأحرى فشلها فى الأصعدة الأخرى.

وتكمن فائدة مناقشة هذا الفرض في أنه إذا كنا قد استفضنا فى مقالات سابقة في الحديث عن الجماعات المسلحة، وناقشنا تنامي تأثيرها في الفترة الآخيرة، إلا أن هذا التحليل لا يكتمل إلا بتسليط الضوء على نقطة هامة تتعلق بطبيعة الدور الوظيفي لهذه الجماعات بالنسبة للأنظمة السياسية التي يفترض أنها تناصبها العداء. فبشكل أو بآخر لا تكتسب هذه الجماعات قدرتها على التأثير إلا من خلال الفساد الداخلي للأنظمة التي تعادي هذه الجماعات. فلو لم تكن هذه الأنظمة بهذه الدرجة من الفساد والاستبداد، لما كان للجماعات المسلحة أن تمارس هذا التأثير وهذا الحضور على مستوى السياسة الإقليمية والدولية.

والسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو هل تستطيع أنظمة الاستبداد أن تحيا حياة طبيعية من دون إرهاب؟ ويستدعي هذا التساؤل أسئلة أخرى حول دور الأجهزة الرسمية في الأنظمة التسلطية في صناعة الإرهاب، ومدى مسؤوليتها عن انتشار ثقافة العنف بين الشباب، ذلك العنف الناتج عن غياب المعنى، واليأس من المشاركة، والإحساس بالاغتراب في الوطن. هذه التساؤلات تبدو محرمة ومجرَّمة فى إطار معظم الأنظمة المستبدة التي ينحو التناول الرسمي بها دائما ناحية التأكيد على أن الأفكار المتطرفة إنما تنشأ ذاتياً لدى معتنقيها، أو يتم استيرادها من الخارج، وأن الإرهاب إنما هو وليد أجندات يتبناها البعض رغبة فى هدم الوطن وتنفيذا لمخططات الخارج وتفعيلا لسيناريوهات حروب الجيل الرابع، إلى آخر هذه القائمة المحفوظة. أما أن يكون العنف وليد نوع معين من السياسات أو نوع معين من المحتوى الإعلامي أو نوع معين من التعامل الأمني، فهذه احتمالات غير مطروحة على طاولة النقاش، الأمر الذي يفتح الباب فعليا أمام تصديق الفرض الذي انطلقت منه هذه المقالة وهو أن للإرهاب دورا وظيفيا في إطالة أمد بقاء الأنظمة المستبدة فى مواقعها.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"