بقلم : شمسة البلوشي الخميس 17-12-2015 الساعة 02:05 ص

حساء الحجارة

شمسة البلوشي

هناك أسطورة قديمة عجيبة للغاية، تحكي عن شخص غريب وصل إلى بلدةٍ تعاني من المجاعة، ولم يجد أحداً يعطيه طعاماً، فهم لا يملكون سوى القليل وبالكاد يسد رمقهم وجوعهم، جلس هذا الغريب في وسط ساحة البلد، وأشعل ناراً ووضع فوقها إناءً معدنياً كبيراً ملأه بالماء، ثم أخرج حجراً نظيفاً من حقيبته الحريرية الأنيقة ووضعه في الماء، وبعد قليل أخذ غرفةً من الماء ليتذوق " حساء الحجارة "، ثم قال: " ممم، إنه لذيذ ! ولكن لو تمكنت من إضافة الكرنب إليه لأصبح رائعاً ! سمعه أحد القرويين وكان معه ثمرة كرنب صغيرة للغاية كان يدَّخرها لنفسه فوضعها في الإناء، استمر الرجل الغريب في تذوق الحساء مع التعليق على وجود شيء ناقص، ففي كل رشفة كان يذكر نوعاً من الخضراوات والأطعمة حتى ضم إلى الإناء لحماً وجزراً وقرعاً وبصلاً، وبعد الانتهاء من إعداد الحساء قام الغريب بمشاركة الجميع فيه، وتعجب سكان البلدة من روعة مذاقه، وعرضوا عليه شراء " الحجر السحري " !!

ترى كم منا يملك " الحجر السحري "، ومن منا يملك الوصفة السحرية لإعداد طعام يتذوقه الجميع ويستحسنون طعمه ومذاقه، والأعجب من هذا كله أنهم - دون أن يشعروا – يكونون قد ساهموا في إعداد هذه الوجبة الغذائية الغنية بكل عناصر الغذاء الذي يحتاجه الجسم .

" الحجر السحري " هنا لا يقتصر على هذه المادة الصلبة مع قليل من الماء وشيء من الخضراوات، إنه أعمق وأشمل، إنه شيء آخر يصلح أن يكون على أي صورةٍ كانت من صور الحياة إلا أن يكون في قدرٍ على نارٍ مشتعلة .

" الحجر السحري " هي الإستراتيجية التي تجعل أياً منا يلعب دور صاحب الوصفة وليس الطاهي !

الوزير في وزارته، ومدير المدرسة في إدارته، والتاجر في متجره، والمرأة في مملكتها، وكل ذي ( لا خبرة لديه يتمازج في خبرات من معه )، فالوزير الذي يدخل إلى وزارته دون أن يملك نفس خبرات مديري الأقسام والمسؤولين والموظفين، ليس عليه سوى شحذ الهمم، لا أن يستجدي تجارب موظفيه، فقط عليه أن يأتي بجذوةٍ من النار ويضع عليها فكرته ثم يطلب من الكل أن يضيف عليها شيئاً مما لديه من كنوز الثروة المعلوماتية والخبرة العملية والكتل المعرفية وكل ما يملك، وعليه أن يقوم بدور الماهر الذي عليه أن يحرك الحساء ويمزج الخليط ثم يعيده لهم في صورةٍ أنقى وأفضل وأكثر جودة، تماماً كذاك البترول الخام الذي لا يخرج في تكوينه عن مزيج من الأنواع المختلفة للهيدروكربونات التي يجب فصلها لتحصل على البنزين الذي تتحرك به السيارات، وتحصل على زيوت التشحيم والكيروسين و و و و ......... إلخ.

في الختام

إن مهمتك " كخبير " هي حث الناس على الشعور بالثقة الكافية ليشاركوا في إعداد الحساء، وهذا شكل من أشكال البناء الهادف، لأنه قائم على تحفيز المشاركين، وأن كلَّ شخص يتذكر مشاركته، ولكن تبقى أنت " مركز الحدث " .

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"