بقلم : شريف عبد الرحمن سيف النصر الأربعاء 23-12-2015 الساعة 02:17 ص

هل تغير شيء في الشرق الأوسط؟

شريف عبد الرحمن سيف النصر

بطبيعة الحال لا يندرج كل ما يجري في المنطقة في إطار الإملاءات الغربية، ولكن تفاعلات المنطقة - في ذات الوقت - ليست كلها وليدة الإرادة الحرة لدولها، وعليه ينبغي أن تخضع هذه للفحص المدقق، للكشف عن مدى التأثير الغربي فيها. خصوصا أن دور الغرب ليس تفكيكيا دائما، كما يحلو للبعض أن يصفه، فالمصالح الغربية قد تقتضي في سياقات معينة أن يتكتل خلفها الآخرون. ومن هنا فإن بعض تجارب الوحدة العربية قد تأتي في مصلحة الغرب بأكثر مما تأتي في مصلحة أصحابها. ولا يتضمن هذا تشكيكا في نوايا من يقومون بهذه المبادرات الوحدوية، ولكنه فقط يشير إلى مقدرة الأطراف الأقوى على توجيه التفاعلات الإقليمية على نحو قد لا يبدو واضحا للمنخرطين فيها.

والأمثلة على تجارب الوحدة/التكامل العربي المدفوعة من الخارج كثيرة ولكننا نشير في هذا المقال إلى أشهرها، ألا وهي تجربة جامعة الدول العربية.

ففي 22 مارس من عام 1945 اجتمع ممثلو الدول العربية في قصر الزعفران بالقاهرة، ووقعوا ميثاق جامعة الدول العربية، في ترجمة للطموحات العربية بتكوين كيان جامع للعرب. المدهش أن هذا العمل الحاسم لم يحظ فقط بتأييد القوى الكبرى وقتها (بريطانيا وفرنسا)، ولكنه جاء بشكل أو بآخر وليد تدخلهم المباشر. فرغم أن تكوين الجامعة العربية كان يفترض أن يعارض قرار تقسيم فلسطين وقيام دولة صهيونية بها، إلا أن المصالح الغربية قد سارت في اتجاه حث الدول العربية على تكوين مثل هذا الاتحاد، ودفعهم دفعا إليه.

وقد تعددت التفسيرات وراء الدعم الغربي لفكرة الاتحاد العربي، ولكن كانت أبرزها حاجة بريطانيا (وفرنسا) للدعم العربي في الحرب ضد ألمانيا، "فمع اشتداد ضغط دول المحور على الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية رأت بريطانيا وفرنسا ألا تحدثا مزيدا من الاضطرابات داخل مستعمراتهما في البلاد العربية"، خاصة وقد سبق لكل من ألمانيا وإيطاليا أن دعمتا المطالب العربية في الاستقلال والوحدة، وذلك في تصريح للدولتين صدر بتاريخ 23 أكتوبر 1940، يتضمن الاعتراف باستقلال الدول العربية وتأييد الجهود العربية في مجال الوحدة.

فما كان من بريطانيا إلا أن أسرعت فوعدت قادة تلك الدول بالاستقلال عقب انتهاء الحرب، وأعربت عن تشجيعها لأي اتجاه نحو الوحدة العربية، وذلك كما جاء على لسان وزير الخارجية البريطاني "أنتوني إيدن" في خطابه الذي قال فيه:

"يتطلع كثير من العرب إلى درجة من درجات الوحدة أكبر مما يتمتعون به الآن. وإنهم يتطلعون لنيل تأييدنا في مساعيهم نحو هذا الهدف، ولا ينبغي أن نغفل الرد على هذا الطلب من جانب أصدقائنا، ويبدو أنه من الطبيعي ومن الحق تقوية الروابط الثقافية والاقتصادية والسياسية بين البلاد العربية.. وإن حكومة جلالته سوف تبذل تأييدها التام لأيّ خطة تلقى موافقة عامة". "ثم عاد إيدن وفي 24 فبراير 1943 وصرح أمام مجلس العموم البريطاني بأن حكومته تنظر بعين العطف إلى كل حركة بين العرب ترمي إلى تحقيق وحدتهم الاقتصادية والثقافية والسياسية".

وبالفعل تحرك بعض القادة العرب مستغلين تلك التصريحات باتجاه إنشاء جامعة الدول العربية، صحيح أن الحاجة قد ظهرت لقيام وحدة عربية أو تجمع عربي مع نهاية القرن التاسع عشر، إلا أن الترجمة الفعلية لم تأت إلا بعد خطاب إيدن، حيث دعا رئيس الوزراء المصري (وقتها) مصطفى النحاس كلا من رئيس الوزراء السوري ورئيس الكتلة الوطنية اللبنانية للتباحث حول فكرة "إقامة جامعة عربية لتوثيق التعاون بين البلدان العربية المنضمة لها". "وكانت هذه أول مرة تثار فيها فكرة الجامعة العربية بمثل هذا الوضوح".

ثم عاد رئيس الوزراء المصري بعد نحو شهر من تصريح إيدن أمام مجلس العموم، "ليؤكد استعداد الحكومة المصرية لاستطلاع آراء الحكومات العربية في موضوع الوحدة وعقد مؤتمر لمناقشته".

الشاهد أن النزعة الوحدوية والتكتل العربي، ارتبطا بإرادة خارجية، ارتأت أن مصلحتها في حدوث مثل هذا الاتحاد في هذا التوقيت، فكانت النتيجة (التي أثبتتها السنوات اللاحقة) أن خرجت الجامعة معبرة عن الأهداف الحقيقية للراعي الغربي، من استمرار لواقع التقسيم، بأكثر مما عبرت عن أهداف الشعوب العربية من ترجمة لطموحات الوحدة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هذه الأيام هو: هل يعيد التاريخ نفسه، ويتحرك العرب في إطار من التوجيه الغربي غير المعلن، فيحققون أهدافه ومصالحه، وهم يظنون أنهم يتحركون بوازع من إرادتهم الحرة؟.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"