بقلم : شريف عبد الرحمن سيف النصر الأربعاء 30-12-2015 الساعة 01:12 ص

العلمنة الشاملة وعنف الدولة

شريف عبد الرحمن سيف النصر

يثير العنف الأهوج الذي تمارسه أنظمة الاستبداد بحق مواطنيها العديد من الأسئلة، فضلاً عما يثيره من استنكار وتقزز بطبيعة الحال، والعنف المقصود هنا ليس ذلك العنف المخول للدولة ومؤسساتها بحكم العقد الاجتماعي القائم بينها وبين مواطنيها، ولكنه ذلك النمط من العنف الذي تمارسه هذه الأنظمة خارج نطاق القانون لإظهار قوتها، وإخضاع الأفراد لبأسها، أو ترويضهم بحيث يفقدون أى رغبة أو قدرة على معارضة نمط حكمها الاستبدادي، ويتخلون من ثم عن أى طموح لتغييره.

بعبارة أخرى إن العنف المقصود هنا يشير إلى تلك الحالة من توظيف القوة ضد المدنيين على نحو غير مقبول وفق أي معيار قانوني أو أخلاقي؛ من استهداف بالطائرات، وتفجير للبيوت، وإطلاق للنار على نحو عشوائي، وإخفاء قسري، واعتقال من دون محاكمة، فضلاً عن فرض أجواء حبس غير آدمية، واتباع إجراءات قسرية، وما يصاحب كل ذلك من إيذاء نفسي واغتيال معنوي للأفراد.

والملاحظ أن أنظمة الاستبداد في ظل غياب قوى أعلى منها فى هيراركية النظام الدولي، وفي ظل الدور الهامشي والرمزي الذي تقوم به مؤسسات المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان، تبدو في حل من مراعاة أى معايير في ممارستها لهذا العنف، فنجدها تمارس أصنافا من الانتهاكات التي لا تقيم للأفراد اعتبارا لا بحكم المواطنة ولا بحكم الديانة ولا بحكم الأدمية، وهي مطلقة اليد على نحو شبه كامل.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما هو تفسير هذا الجنوح المبالغ فيه للعنف من قبل أنظمة الاستبداد، خاصة وأنه في معظم الأحيان لا يصل حجم الجرم الذي تتصور هذه الأنظمة قيام الأفراد به، ذلك الحد الذي يبرر استخدام هذا القدر من العنف والانتهاكات.

ربما تكمن الإجابة عن هذا السؤال فيما أطلق عليه الدكتور عبد الوهاب المسيري "أزمة العلمنة الشاملة". فهذه العلمنة تصبغ حكم أنظمة الاستبداد وتفسر بدرجة كبيرة الكثير من سلوكياتها، وبخاصة استخدامها العنف الأهوج ضد مواطنيها. فـ "العلمانية الشاملة"، هي رؤية لا تفصل الدين والقيم عن مجالات الحياة العامة وحسب، وإنما تفصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن كل جوانب الحياة، وتنزع القداسة تماماً عن الموجودات، بحيث يتحول البشر في إطارها إلى مجرد أدوات مادية.

يشير المسيري من خلال هذا المفهوم إلى أزمة غياب المعنى وتحول المطلق إلى نسبي، والأخلاقي إلى مادي، والأهم من كل ذلك إلى نزع القداسة عن الإنسان، وتحويله إلى مجرد مادة استعمالية، يوظفها القوى لحسابه، أو يقضى على وجودها إذا لم يكن لوجودها أهمية مادية أو وظيفة استعمالية. فالعلمانية الشاملة لا تؤمن بأية معايير أو مطلقات أو كليات، اللهم إلا المعايير الداروينية الصراعية، التي تستخدمها لحسم الصراعات، ولذا نجد أن المبدأ الحاكم للأنظمة المستبدة هو مبدأ "البقاء للأقوى"، فمن يملك أدوات العنف عليه أن يستخدمها، ولو فى مواجهة العزل، طالما ان هؤلاء العزل يقعون في دائرة الخصوم.

مفهوم العلمانية الشاملة إذن يفسر لنا : لماذا تتعامل أنظمة الاستبداد مع مواطنيها بمثل هذه القسوة المفرطة. فهؤلاء بالنسبة لها هم مجرد أشياء لا قيمة لهم إلا قيمتهم كادوات لتسيير الحياة، واداء الوظائف اللازمة لبقاء هذه الأنظمة المستبدة، ومن ثم إذا توقف هؤلاء عن القيام بمهامهم، ونزعوا إلى المعارضة أو مقاومة الاستبداد بأي شكل لا يصبح لهم من قيمة من وجهة نظر الأنظمة المستبدة ومن ثم تبدأ فى التخلص منهم باستخدام أساليب القمع المبالغ فيها. ومع غياب الالتزام بأي منظومة أخلاقية لا يستشعر الطرف الذي يتبنى هذا التصور للعالم والإنسان أى نوع من تأنيب الضمير وهو يقضي على غيره، أو يقيد حريته، أو يمارس بحقه ألوانا من التعذيب والانتهاكات القاسية.

ومن هنا فإن مقاومة استبداد هذه الأنظمة لا ينبغى أن تقتصر على الأبعاد السياسية أو القانونية، وإنما ان تتعدى ذلك إلى الأبعاد الثقافية والمعرفية، فجوهر الأزمة التي ينبع منها الاستبداد، لا يمكن حلها إلا من خلال تفكيك الرؤية المعرفية التي ينبني عليها، والتي لا تنتهك فقط معنى القانون والسياسة وإنما معنى الإنسان نفسه.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"