بقلم : شريف عبد الرحمن سيف النصر الأربعاء 06-01-2016 الساعة 01:13 ص

العنف مؤذِّن بضياع الاستقرار

شريف عبد الرحمن سيف النصر

من الشائع أن تعوِّل أنظمة الاستبداد على العنف كأداة للحفاظ على استقرارها ومكاسبها السياسية، وذلك لما تعتقده هذه الأنظمة من كون العنف وسيلة ناجحة للقضاء على مصادر التهديد أولا بأول. وبعيدا عن الاعتبارات الأخلاقية التي يمكن على أساسها إدانة مثل هذه السياسات القمعية يمكن التساؤل عن المدى الذي يمكن من خلاله لسياسات العنف أن تحقق الاستقرار فعليا؟

الإجابة المباشرة على هذا التساؤل هي: ليس لمدى بعيد، فثمة عوامل موضوعية تجعل من استمرار التعويل على العنف سياسة خاسرة، أول هذه العوامل أن العنف ظاهرة قابلة للعدوى، إذ عادة ما ينتقل عنف الأنظمة إلى الشعوب، أو إلى قطاعات منها، فتبدأ هذه في ترجمة ما وقع عليها من عنف إلى عنف مضاد، ولكن لأن عنف الأفراد لا يتوافر له ما يتوافر للأنظمة من معلومات أو أدوات، فإنه عادة ما يأخذ الشكل العشوائي، الذي تعم خسائره جميع القطاعات، ومن بينها الأنظمة الحاكمة بطبيعة الحال.

من ناحية ثانية فإن العنف يؤكد ويؤبد تبعية المجتمع للدولة، فالعنف عادة ما يخلق أجواءً من السلبية والتراجع على المستوى الفكرى والإبداعي لدى الأفراد، وإذا كانت صفات مثل هذه قد تحقق الاستقرار على المدى القصير، فإنها تفرز مع الوقت سلبيات متراكمة مثل ترهل المجتمع وتحوله إلى عبء حقيقي لا يمكن توظيفه على أي نحو إيجابي. مما يعرقل استقرار هذه الأنظمة لضمور العنصر البشري الكفء اللازم لاستمرارها.

ويرتبط بالنقطة السابقة أن عنف السلطة تجاه المجتمع يضعف من قدرة الأخير على المساهمة في مواجهة التهديدات الخارجية، فالجماهير المقموعة عادة ما تكون أقل حماسا في الدفاع عن أوطان لا تمتلك بها حريتها، كما أنها تكون أقل استجابة لخطابات الحشد والتعبئة، التي تحاول سلطات القمع — بعد فوات الأوان — أن تستثير من خلالها ما تبقى لدى الجماهير من رغبة في الحياة الكريمة.

وكما يؤدي العنف إلى ضعف التجاوب الداخلي، فإنه يؤدي أيضا إلى عدم التجاوب الخارجي، فالتضحية المستمرة بالاعتبارات الدستورية والقانونية والتعويل فقط على منطق القبضة الغليظة تولد أجواءً من عدم الثقة فى الأنظمة القمعية، ويظهر هذا في صورة إحجام رؤوس الأموال والاستثمارات الخارجية عن المخاطرة بالتدفق إلى مجتمعات لا تملك تحقيق الاستقرار خارج نطاق العنف.

العنف أيضا يستدعي العديد من الآفات السلوكية، فنمط العلاقة غير المتكافئة بين الحاكم والمحكوم يمتد إلى المجالات غير السياسية، إذ ينطلق النظام — في ضوء ما يمتلكه من قدرات قمعية — إلى اعتماد قائمة من المعايير المزدوجة التي يبيح لنفسه من خلالها ما لا يبيحه للمحكومين، وذلك في مجالات مختلفة، أبرزها المجال الاقتصادي الذي تعتبر الأنظمة القمعية أن من حقها أن تحظى فيه بامتيازات لا يحظى به الآخرون.

وعلى عكس المتوقع يؤدي العنف إلى زيادة منسوب القلق لدى الأنظمة القمعية، فمع تنامي السخط والرغبة فى الانتقام لدى قطاعات مختلفة من الأفراد، تتسع دائرة أعداء النظام، مما يدفعه إلى توسيع نطاق العنف وزيادة الإنفاق عليه من الموادر المخصصة للإنفاق على المجالات الأخرى، مما يؤثر على قدرته على ممارسة الحكم، ويزيد من ثم مخاوفه من الهبَّات الجماهيرية والثورات الشعبية ضده.

والخلاصة أن العنف قد ينجح في إيجاد نظام حكم مستقر، ولكنه لا يضمن أن يستمر هذا الاستقرار لوقت طويل، فالشرعية القائمة على القمع تنذر باحتمالات قاتمة من الاقتتال الداخلي والحرب الأهلية (الحالة السورية نموذجا)، أو حتى الغزو الخارجي (الحالة العراقية نموذجاً)، ما يعنى أن أنظمة الاستبداد يمكن أن تسدد جانبا لا يستهان به من فاتورة العنف الذي تمارسه بحق مواطنيها، ذلك ان الثغرات التي يتسبب فيها القمع فى أنظمة الحكم التسلطية عادة ما تتحول إلى ثقوب سوداء تبتلع هذه الأنظمة على نحو كامل.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"