بقلم : شريف عبد الرحمن سيف النصر الأربعاء 13-01-2016 الساعة 01:30 ص

الجماعات المسلحة من غير الدول

شريف عبد الرحمن سيف النصر

في الوقت الذي يسلط فيه الإعلام العالمي الضوء على تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف إعلاميًا باسم داعش)، وغيره من الجماعات الإسلامية المقاتلة، وعلى الأثر السلبي الذي يفترض أنها تحدثه على منظومة العلاقات الدولية المعاصرة، يتغافل عن الدور الذي قامت وتقوم به جماعات موازية من غير الدول، تنتمي للعالم الغربي المسيحي، ولكنها على العكس تحظى بالاعتراف والتقدير، وتتبادل معها السفارات الكثير من دول العالم بما فيها الدول العربية.

وفي محاولة للوقوف على حقيقة هذه المفارقة نخصص مجموعة من المقالات لإلقاء الضوء على مفهوم الجماعات المسلحة من غير الدول بين الشرق والغرب، وكيف كان يتم النظر إليها والتعامل معها في أوروبا، وكيف تم توظيفها، والاستفادة منها، ومكافأتها على خدماتها إلى حد الاعتراف بإحداها كدولة مكتملة السيادة، رغم افتقارها الفعلي لمعظم مقومات الدول الطبيعية.

وذلك لمحاولة الإجابة عن التساؤل: هل من الممكن للأنظمة العربية أن تتعامل بنفس المنطق الوظيفي مع التنظيمات "المسلحة" من غير الدول في المنطقة؟ أم أن اختلاف الظروف والسياقات يفرض نوعًا من المعادلة الصفرية بين الطرفين؟

في هذا الصدد تذكر إحدى الدراسات أن عدد الجماعات الدينية المسلحة التي ظهرت في الغرب حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي يزيد على المائتين، من أشهرها جماعة فرسان المعبد (أو جماعة الداويين) وجماعة الهوسبتاليين، الذين عرفوا لاحقًا باسم جماعة فرسان مالطة.

اللافت أن معظم هذه الحركات التي نشأت أصلاً كحركات رهبنة تابعة للكنيسة الكاثوليكية، تحولت إلى تنظيمات عسكرية مقاتلة، قبل أن تعيد تعريف نفسها مؤخرًا كمنظمات خيرية، تعمل على تقديم يد العون للفقراء والمرضى، وتركز على مجال الخدمات الطبية.

وقد أدى أفراد هذه التنظيمات أدوارًا بارزة أثناء الحروب الصليبية، فرغم الحظر الذي كان مفروضًا على رجال الدين الكاثوليك بشأن حمل السلاح، توصل هؤلاء الرهبان إلى تكوين فرق وتنظيمات عسكرية، تعمل بشكل مستقل وتشتبك في الأعمال القتالية بحرية، ومن هنا حدثت المزاوجة بين نظام الرهبنة ونظام القتال الديني، لتتشكل بذرة الجهاد المسيحي المقدس.

ولخطورة الدور الذي كانت تقوم به هذه الجماعات، كان كثيرًا ما يحدث أن ينضم إليها مقاتلون علمانيون من خارج سلك الرهبنة، للاستفادة من القدرات التنظيمية والانضباطية العالية لديهم. وبخلاف المشاركة في الحروب الصليبية في أرض الشام، مارست العديد من هذه التنظيمات القرصنة، وتوجهت بعدوانها بالأساس إلى السفن والسواحل الإسلامية، وقد بلغت هجماتهم حد احتلال العديد من المدن الإسلامية (مثل أزمير التركية وطرابلس الليبية وصور اللبنانية). كما أدت هذه الجماعات الدينية دورًا محوريًا فيما يسمى بحركة الاسترداد (أي استرداد الأندلس من أيدي المسلمين وإعادتها إلى الحكم المسيحي).

ونظرا لدورها المؤثر في قتال المسلمين، اهتم ملوك أوروبا بدعم هذا الجماعات، وأغدقوا عليها اعترافهم ومساعداتهم، كما لم يتردد بابوات روما في إصدار المراسيم التي تبارك ما يقومون به من أعمال وتمنحهم العديد من الامتيازات والاستثناءات المدهشة والتي تضمنت حرية المرور، والإعفاء الكامل من الضرائب، وعدم الخضوع لأي سلطة زمنية. وقد أدت هذه المراسيم البابوية إلى زيادة نفوذ هذه التنظيمات المقاتلة، حتى إنها كان من صلاحياتها أن تعقد الهدنة وأن تتخذ قرارات بالتحالف.

وبفعل هذه الامتيازات الضخمة نجحت هذه التنظيمات فيما أنشئت لأجله، وسجلت انتصارات عسكرية باهرة، ولكنها ونظرًا لطبيعتها الحركية لم ترتبط بإقليم معين، فكانت تنتقل من مدينة إلى مدينة، ومن دولة إلى دولة، كما لم تلزم نفسها بشكل سياسي معين، فتحولت من حركات رهبنة، إلى تنظيمات مسلح، إلى وحدات سياسية، وفي بعض الأحيان إلى دول، كما في حالة دولة فرسان مالطة التي تعترف بها أكثر من 99 دولة من بينها 8 دول عربية.

ورغم تحولها المفترض للعمل الخيري حاليًا، ترفض هذه التنظيمات الكشف عن مصادر تمويلها، حيث تتمتع بدعم وتمويل من مصادر مختلفة وسرية، فهي قبلة للأعمال "الخيرية" في العالم المسيحي، كما يعزى إليها تطوير العديد من الطرق المالية التي أصبحت نواة لنظام المصارف والبنوك الحديث.

والسؤال هو: ألا تشترك هذه التنظيمات المسيحية المقاتلة مع التنظيمات الإسلامية المسلحة في الكثير من الخصائص؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فما هي حدود هذا التشابه؟ وما دلالاته؟ وهل يمكن للأنظمة الرسمية أن تستفيد من هذه التنظيمات؟ وما أبعاد هذه الاستفادة؟ أسئلة سوف نحاول الإجابة عليها في مقالات لاحقة إن شاء الله.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"