بقلم : شادي فوزي الزبيدي الجمعة 15-01-2016 الساعة 01:50 ص

التقلبات الحادة للأسواق العالمية تثير حيرة المستثمرين والمحللين

شادي فوزي الزبيدي

شهدت الأسواق المالية العالمية من العام المنصرم والأسبوع الأول لهذا العام مستوى عاليا من التذبذب لم تشهد له مثيلا من حيث طول فترته الزمنية وحدة تقلباته.

وقد عكست هذه التقلبات الحادة حيرة المستثمرين والمحللين في معرفة مدى قوة الاقتصاد العالمي وتحديدا عند محاولة تقييمهم الوضع الاقتصادي في الصين. ففي حين تحتل الصين المرتبة الثانية عالميا في ترتيب الدول الأكبر من ناحية حجم الناتج المحلي، إلا أن مستوى الشفافية ومعايير الإفصاح في نشر المعلومات الدورية ما زال متدنيا إذا ما قورن بالإحصاءات الصادرة من دول شمال أمريكا والدول الأوروبية، مما يزيد من صعوبة قراءة الوضع الاقتصادي وتحديد مدى انعكاسه على اقتصاديات العالم.

ولنأخذ مثالا على ذلك، فقد توقع البنك الدولي في نهاية العام الماضي معدل نمو الناتج المحلي في الصين لهذا العام بــ 7.1%، وهو معدل نمو عال جدا إذا ما قورن بمعدلات النمو المتوقعة في الولايات المتحدة الأمريكية أو في بعض الدول الأوروبية الكبرى مثل ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا، الا أن هذه التوقعات لم تنعكس إيجابيا على الأسواق المالية سواء في الصين أو الأسواق العالمية لأسباب عدة منها أن معدل هذا النمو يعتبر الأدنى منذ 25 عاما ويقل عن معدلات نمو الصين في العشر سنوات الأخيرة والتي وصلت إلى 12% سنويا في ذروتها الاقتصادية. كما أن بعض المحللين يعتقد أن نمو الناتج المحلي في الصين سيكون أقل من التقديرات الصادرة عن المسؤولين في الصين أو في البنك الدولي. ويعتمد المحللون في نشر تقاريرهم ذات النظرة السلبية إلى عوامل عدة منها تدني مؤشر الإنتاج الصناعي في الصين بحيث لا يدعم النظرة المتفائلة نسبيا لمستوى نمو الاقتصاد في الصين، ناهيك عن أن مستوى الطلب في الصين للمشتقات النفطية والغاز قد شهد تباطؤا واضحا في الأشهر الثلاثة الأخيرة، مما كرس الاعتقاد السائد أن الناتج المحلي في الصين لن ينمو فعليا بأكثر من 6% هذا العام وقد يتباطأ بشكل أكثر حدة في العام القادم إلى ما دون الــ 5%.

وإذا ما نظرنا إلى القرارات الاقتصادية الصادرة من الحكومة الصينية مؤخرا، نجد أن هدفها الأول هو تحفيز الاقتصاد المحلي على النمو، إلا أن نتائج هذه القرارات لم تصل إلى مبتغاها، بل على العكس تماما، فقد زادت في بعض الأحيان من حدة تقلبات الأسواق المالية داخليا وعالميا.

ومن هذه القرارات التقليدية محاولة الحكومة الصينية المتكررة تعويم عملتها المالية لتخفيض قيمتها مقابل العملات الأجنبية، على أمل زيادة جاذبية المنتجات الصينية وتحفيز قطاع التصدير، إلا أن ذلك لم يؤد إلا إلى التنافس مع دول آسيوية أخرى بعد أن اتبعت سياسة مالية مشابهة والدخول في حرب صرف العملات، مما أفقد الصين الانتفاع الكامل من تخفيض عملتها وزيادة الإنتاج المحلي والتصدير.

في المقابل، طالب البنك الدولي الحكومة الصينية اتخاذ قرارات أكثر جرأة وواقعية ومنها مثلا تحرير قطاعها المصرفي واتخاذ خطوات ملموسة لتحويل الاقتصاد من اقتصاد يعتمد أساسا على التصدير إلى اقتصاد يعتمد في نموه على زيادة معدل الاستهلاك المحلي للمنتجات الصينية والعالمية والاستفادة من القدرة الاستهلاكية الهائلة لدى الصين.

وبالعودة إلى تقلبات الأسواق العالمية الحادة في العام المنصرم وبداية هذا العام، لا تمثل السوق الصينية العامل الوحيد لتفسير السلوك المتذبذب للأسواق العالمية رغم أهميته وتأثيره المباشر، فهناك عوامل أخرى ما زالت تساهم هي الأخرى في انقسام الآراء بين من يجد أن الأسواق العالمية مقبلة على تقلبات أكثر حدة من السابق وتخوفهم من أن يؤدي ذلك إلى الدخول في ركود عالمي، وبين من يعتقد أن تراجع الأسواق المالية قد اقترب من القاع وأن هناك فرصا استثمارية يمكن الاستفادة منها. من هذه العوامل، الانقسام ما بين مؤيد ومعارض في رفع معدلات الفائدة في الولايات المتحدة الأمريكية هذا العام. فبعد أن رفع مجلس الاحتياط الفيدرالي في شهر ديسمبر الماضي معدل الاقتراض بنسبة ربع نقطة مئوية للمرة الأولى منذ تسع سنوات، كانت معظم التوقعات تشير إلى أن مجلس الاحتياط الفيدرالي سوف يقوم برفع الفائدة على الاقتراض بنسبة ربع نقطة مئوية إضافية في كل من شهر مارس وشهر يونيو وشهر ديسمبر من هذا العام. وقد جاءت هذه التوقعات تماشيا مع النتائج الاقتصادية الإيجابية الأخيرة الصادرة من الولايات المتحدة الأمريكية ومنها مثلا نمو الناتج المحلي السنوي في حوالي 2.5%، وتدني معدل البطالة إلى 5%، وتعافي القطاع العقاري إلى مستوى ما قبل الأزمة المالية في صيف عام 2007م، وانخفاض أسعار الغاز والمشتقات النفطية بأكثر من 70% عن أعلى مستوياتها في العام 2014م مما أسهم بطريقة مباشرة في تقليل تكاليف الإنتاج والتنقل. غير أن بعض المحللين قرأ تراجع الأسواق العالمية والأمريكية تحديدا إلى ما يقارب 20% من أعلى مستوى لها، إلى رغبة المستثمرين في تأني مجلس الاحتياط الفيدرالي في سياسته المالية وعدم التسرع في رفع معدل الفائدة في شهر مارس القادم، مستشهدين في ذلك على هشاشة الاقتصاد العالمي والبعد عن مستوى التضخم الداخلي المستهدف (2%)، وعدم نمو معدل أجور الموظفين في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى أن زيادة الطلب العالمي على العملة الأمريكية إن استمر لفترات طويلة سوف يساهم في تباطؤ معدل صادرات الشركات الأمريكية لهذا العام وسيكون لذلك انعكاسات سلبية على الناتج المحلي الأمريكي مستقبلا.

ورغم أن المستثمرين كانوا يأملون في بداية جيدة لهذا العام، مدعومة بما تم نشره مؤخرا من نتائج إيجابية تدل على تعافي الاقتصاد في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن هذه النتائج لم تكن كافية لطمأنة صناديق التحوط والاستثمار.. وكان ما شهدناه من تهاوي الأسواق العالمية بما في ذلك الأسواق المالية الخليجية، والأسواق والأمريكية والتي سجلت تاريخيا أسوأ بداية أول أسبوع تداول من العام، قد سبب حالة من الذعر والتخارج المتسارع من الأسواق محت على أثرها الارتفاع اللافت في الربع الأخير من العام السابق وأعادت إلى الأذهان التقلبات الحادة التي شهدتها الأسواق العالمية في شهر أغسطس من العام السابق. وقد لا يختلف اثنان في أن البداية السلبية لهذا العام لم تكن متوقعة حتى عند أكثر المستثمرين والمحللين تشاؤما، فهي ورغم هشاشة الاقتصاد العالمي وضبابية الرؤية لا تعكس بالضرورة النتائج المتوقعة لأرباح الشركات القيادية العالمية والتي سيبدأ الإفصاح عنها تواليا في الأسبوع القادم.

فهل سوف تكون النتائج إيجابية بما يكفي إلى تهدئة الأسواق المالية العالمية أم أنها ستكون دون التوقعات وتؤدي بالتالي لهبوط الأسواق العالمية إلى مستويات متدنية جديدة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"