بقلم : شريف عبد الرحمن سيف النصر الأربعاء 20-01-2016 الساعة 02:18 ص

الجيوش والميليشيات الدينية بين الماضي والحاضر

شريف عبد الرحمن سيف النصر

الجماعات المسيحية المسلحة التي تم إلقاء الضوء عليها في المقال السابق لا تشكل ظواهر تاريخية انتهت بانقضاء زمانها، فالعديد منها مازال قائما كما سبق القول، بل إن إحداها قد ارتقت سياسيا إلى مقام الدولة ذات السيادة. ورغم أن الحملات الصليبية كانت هي المبرر التاريخي لانطلاق ونشأة معظم - إن لم يكن - كل هذه الجماعات المسلحة، إلا أنها لم تختف بانتهاء هذه الحروب، وإنما ظلت كامنة، قبل أن تعاود الانبعاث مرة ثانية ضد التوسعات العثمانية، ومؤخرا رصدت بعض التحليلات أدوارا محتملة لهذه التنظيمات في إطار الغزو الأمريكي للعراق، وفي إطار التدخلات الأمريكية في العالم الإسلامي بشكل عام.

هذا ومازال العديد من الدول الأوربية تعترف بهذه التنظيمات حتى اليوم، وتعتبر أن أعضاءها بمثابة فرسان شرفيين، بل إن رئيس أحد هذه التنظيمات (جماعة فرسان المسيح)، والمعروف باسم الأستاذ الأكبر، هو الرئيس البرتغالي نفسه. ولا تقتصر شعبية هذه الجمعيات على أعضائها، إذ ترتبط بها الكثير من الهيئات الرياضية والاجتماعية والسياسية، وتحمل صليبها كعلامة مميزة لها.

وفي الوقت الذي كانت الجيوش تعمل فيه على أساس وطني أو قومي، أو حتى للحصول على مقابل مادي كما في جيوش المرتزقة في مرحلة العصور الوسطى، فإن هذه التنظيمات كانت تنطلق من اعتبارات الحماسة الدينية، وتحدد أهدافها على أساس من قناعاتها الإيمانية، وهي وإن كانت قد أخذت شكل العمل الطبي في البداية ثم تحولت عنه إلى الشكل العسكري والقتالي، فإنها في كل الأحوال كانت تضع الدين نصب عينيها وهي تمارس ما تمارسه من مهام.

ويعد هذا هو وجه الشبه الأساسي بين هذه التنظيمات وبين الجماعات الدينية المسلحة المنتشرة في العالم الإسلامي حاليا، فمعظم هذه الجماعات تدعي أنها تعمل لنفس الغرض ألا وهو حماية الإيمان. ولكن لما كانت معظم الأنظمة العربية تضبط معادلة الشرعية وفق ميزان حرج، فإنها تنظر بعين القلق إلى تداخل الديني مع السياسي، وتعتبر أن ذلك من شأنه أن يهدد شرعيتها أو يعصف بفرص استمرارها على نحو كامل، ومن ثم فإنها تجد صعوبة في مجرد الاعتراف بمثل هذه التنظيمات فضلا عن أن تتعاون معها أو تدعمها. ولا يستثنى من هذا التعميم إلا الأنظمة الشيعية التي تقيم شرعيتها على أساس ديني، أو تستخدم المرجعية الدينية كرأس مال سياسي رئيسي لها، هذه الأنظمة لا تجد حرجا في توظيف وتشكيل جماعات مسلحة على أساس ديني لتحقيق أهدافها السياسية.

جماعة حزب الله على سبيل المثال، تعمل كمخلب قط للنظام الإيراني، بحيث تحقق له أهدافه الإقليمية من دون أن تحمله تبعات ما قد ينتج عن ذلك من ردود أفعال سلبية، نفس الشيء يقال عن الميليشيات التي تعمل في العراق، مثل ميليشيا الحشد الشعبي، والصحوات، فهذه وتلك يمكن اعتبارهما نماذج لجماعات دينية مسلحة تحقق للأنظمة الرسمية أهدافا محددة لا تستطيع أن تحققها عبر القوات النظامية بمفردها.

هذا وقد رصد أحد الباحثين عشرات الجماعات/الميليشيات الشيعية المسلحة التي تعمل في العراق فقط بدعم من النظامين الإيراني والعراقي، مثل: سرايا السلام، منظمة بدر، كتائب حزب الله العراق، عصائب أهل الحق، حركة حزب الله النجباء، كتائب سيد الشهداء، سرايا الجهاد والبناء، كتائب التيار الرسالي، سرايا الخرساني، سرايا عاشوراء، سرايا العتبات.. إلخ. وإذا أضفنا الجماعات التي تحركها إيران للقتال في الأراضي السورية فإن هذه القائمة تكون مرشحة للتضاعف.

وقد ارتبط ظهور هذه الميليشيات بفتاوى دينية (تشبه الصكوك التي كان يمنحها باباوات روما لجماعات الفرسان المسيحية)، تتحدث عن الجهاد الكفائي، وتحظى هذه الجماعات المسلحة بدعم الجيش العراقي، وتدعي العمل تحت إمرته، وقد قدرت الميزانية المخصصة لها بحوالي 60 مليون دولار من الميزانية العراقية. ورغم الانتهاكات الفاضحة التي تنسب لهذه الميليشيات فإن المرجعيات الدينية العراقية تتصدى دائما للدفاع عنها، وتبرئة ساحتها.

أما الأنظمة السنية فإن لديها تخوفات كثيرة إزاء سلوك مثل هذا المسلك (الاستعانة بالميليشيات الدينية المسلحة)، وذلك لاعتبارات تاريخية، واستراتيجية نناقشها في مقال لاحق إن شاء الله.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"