بقلم : شريف عبد الرحمن سيف النصر الأربعاء 27-01-2016 الساعة 01:44 ص

الميليشيات الأمريكية والحرب على الإرهاب

شريف عبد الرحمن سيف النصر

ناقشنا في المقال السابق ظاهرة الجماعات المقاتلة من غير الدول (الميليشيات)، وكيف أنها ليست قاصرة على الجماعات الإسلامية، وإنما لها نظائرها في التاريخ الغربي المسيحي، ما يطرحه هذا المقال هو أن هذه الظاهرة ليست فقط حاضرة في التاريخ الغربي وإنما لها امتداداتها المعاصرة، فأمريكا صاحبة أقوى جيوش العالم لها ميليشياتها الخاصة التي وظفتها (وتوظفها) في العراق وفي أفغانستان فضلاً عن العديد من الأماكن الأخرى. اللافت أن أمريكا تشير إلى ميليشياتها العاملة في ساحات الحروب باسم المقاولين، أو المتعاقدين، بما يعطي انطباعا زائفا بأنهم مدنيون يشتغلون في مجالات إعادة الإعمار مثلاً، ولا يتم الإشارة إليهم باستخدام الوصف الطبيعي لهم كمرتزقة أو ميليشيات غير نظامية.

هذا وقد تزامن بروز هذه الظاهر مع صعود المحافظين الجدد خلال تسعينيات القرن الماضي، حيث حاول هؤلاء إعادة رسم ملامح العسكرية الأمريكية على نحو جذري. وجاءت الدعوة الأبرز للامركزية العسكرية في ثنايا "مشروع القرن الأمريكي الجديد" (1997)، والذي مارس من خلاله المحافظون الجدد ضغوطا كبيرة على إدارة كلينتون من أجل القيام بعمل عسكري لتغيير النظام في العراق، وذلك بالاعتماد على الشركات القتالية الخاصة من أجل تحقيق هذا الهدف. وفي سبتمبر 2000، نشر أعضاء في هذا المشروع تقريرا حول إعادة بناء دفاعات أمريكا، وطرق إصلاح آلة الحرب الأمريكية، وفي هذا التقرير ركز المؤلفون على فكرة أن عملية التحول من المحتمل أن تكون طويلة ما لم يتوافر حادث كارثي محفز، مثل بيرل هاربر جديدة.

بطبيعة الحال مثلت أحداث 11 سبتمبر 2001 (بعد عام واحد من كتابة هذا التقرير) تبريرا كافيا للدفع قدما بالأجندة الراديكالية التي شكلها كوادر المحافظين الجدد، وفي هذه المرحلة برز نجم وزير الدفاع دونالد رامسفيلد الذي تبنى فكرة تغيير العقيدة العسكرية الأمريكية على نحو كامل، والاعتماد بشكل أساسي على القطاع الخاص في كل ما يتعلق بالأعمال العسكرية التي تخوضها أمريكا، فيما عرف باسم مبدأ رامسفيلد. كما لعب نائب الرئيس الأمريكي وقتها ديك تشيني دورا هاما في هذا الصدد، حيث كلف قسما خاصا في الشركة التي كان يترأسها، هاليبرتون، لإجراء دراسات حول كيفية خصخصة البيروقراطية العسكرية الأمريكية. وقد فتح هذا الباب أمام المقاولين الخاصين في جميع مجالات الحرب، بما فيها الاشتراك في الأعمال القتالية بطبيعة الحال.

خصخصة الحرب مثلت ثورة في الشؤون العسكرية الأمريكية، لدرجة أنه بعد أن خبا تأثير أحداث 11 سبتمبر أصبح التراجع عنها أمرا غير ممكن.

من ناحية أخرى شجعت الإطاحة السريعة بحكومة طالبان الاستمرار في نفس السياسة، وبخاصة في العراق، حيث مارست الشركات القتالية الخاصة أكبر عملياتها في التاريخ. لدرجة أنه بنهاية مدة رامسفيلد في وزارة الدفاع كان ثمة 100000 مقاول خاص على الأرض في العراق، بمعدل يصل إلى 1:1 من جنود الولايات المتحدة النظاميين الموجودين بالخدمة الميدانية، ولم يستغرق الأمر وقتا طويلاً حتى تم تصنيف مقاولي الحرب على أنهم جزء رسمي من آلة الحرب الأمريكية.

وفي إطار حرب العراق ثم الحرب اللاحقة على ما وصف بالإرهاب ظهر إلى الوجود عشرات من شركات المرتزقة الأمريكيين، ولكن أشهر هذه الشركات بلا منازع هي شركة بلاك ووتر (غيرت اسمها حاليا إلى الأكاديمية!) فهي فضلاً عن غزارة مقاتليها، تمتلك أسطولا خاصا مكونا من مروحيات، ومدفعية، وطائرات تجسس، كما أن مقرها المقام على مساحة 7000 فدان هو أكبر منشأة عسكرية خاصة في العالم، وتدرب الشركة عشرات الآلاف كل عام، كما تملك الشركة وحدة استخبارات خاصة بها، ومن بين تنفيذييها مسؤولون متقاعدون رفيعو المستوى في الجيش والاستخبارات، ولديها العديد من منشآت التدريب، وعلى حد وصف أحد أعضاء الكونجرس الأمريكي، فإن باستطاعة بلاك ووتر الإطاحة بالكثير من الحكومات في العالم.

وعلى غير الشائع فإن التعاون بين الإدارات الأمريكية وبين بلاك وتر لم يقتصر على إدارة بوش الجمهورية، فقد قام الديمقراطي باراك أوباما بتجديد الثقة فيها عبر عقد قيمته 250 مليون دولار أمريكي لتقديم خدمات أمنية لوكالة المخابرات الأمريكية، ومرة أخرى وفي العام 2013 تلقت إحدى الشركات الفرعية التابعة لبلاك ووتر عقدا بقيمة 92 مليون دولار لتقديم خدمات أمنية ولكن لوزارة الخارجية الأمريكية هذه المرة.

الجدير بالذكر أن مرتزقة بلاك ووتر يعملون تحت إمرة البليونير اليميني إريك برينس، والذي يناصر أجندة اليمين الصهيوني بلا تحفظ، كما يتفاخر عدد من تنفيذيي بلاك ووتر بعضويتهم في تنظيم فرسان مالطا، والذي كما ذكرنا في مقالات سابقة، نشأ كميليشيا صليبية في القرن الحادي عشر، للدفاع عن الأراضي التي غزاها الصليبيون ضد المسلمين. ما يؤكد الفكرة الرئيسية التي بدأناها في مقالات سابقة من أن الجماعات الدينية المقاتلة من غير الدول هي ظاهرة أعقد مما يروج له الإعلام الغربي المسكون بهاجس محاربة الإرهاب، في الوقت الذي تشارك فيه دوله في صناعته.

المرجع الأساسي: جيرمي سكيل، المرتزقة قادمون، الهيئة العامة للكتاب

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"