بقلم : خالد وليد محمود الثلاثاء 02-02-2016 الساعة 01:12 ص

نهاية العالم واستدعاء النبوءات!

خالد وليد محمود

أشغلت هوليوود نفسها طويلًا بفكرة (زوال العالم أو يوم القيامة) لكنّها -أي هوليوود- وهي تركز على هذه الفكرة وترهق العالم بها طرحًا، لم تكن تتحدث من (الآكشن) بقدر ما كانت تستند لفكرة عميقة تقع في صلب السياسة الأمريكية أن (الإمبراطورية الأمريكية) هي آخر الإمبراطوريات في العالم وأن (السيادة والتسيّد) الأمريكي هو ما قبل النهاية؛ أي نهاية العالم.

الغريب أن الثقافية الأمريكية ليست وحدها من رصدت لفكرة زوال العالم مليارات الدولارات وبعيدًا عن الخيال الخاص بكائنات من عوالم أخرى، فإن هناك عدة نظريات علمية بنت عليها هوليوود هذه أفلامها، وقد تكون النظرية العلمية سهلة أو صعبة الحدوث لكنها تظل احتمالاً ممكنًا يتسبب في نهاية العالم. وسواء كانت الصورة عبر السينما مثل الذكاء الصناعي، أو الشمس وسقوط النيازك أو اصطدام كوكب في الأرض أو انتشار الأوبئة أو الاحتباس الحراري أو الحرب النووية...الخ أو عبر الحروب التي خاضها الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش، بل إن العديد من الحضارات والشعوب تكاد تضع مثل هذه الأفكار موضع المسلّمات الكونية المنتظرة.

وكعادة مخرجي أفلام هوليوود الذين سيطرت عليها فكرة النهاية على يد وحوش أو كائنات غريبة أو كوارث طبيعية تنتهي بفعلها الحياة على وجه الأرض، وربما تبدأ حياة أخرى مع الكائنات الفضائية أو على أسطح الكواكب المحيطة. جمهورية إيران الإسلامية ممثلة بالشيعة وانتظار المهدي، وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في انتظار المعركة الفاصلة في دابق - الأعماق، والتئام 80 راية ضده هناك، والسنة في انتظار ملاحم آخر الزمان، والمسيحيون في انتظار هارمجدون، وغيرهم كثر!

قبل اليوم الذي قرر فيه البائع التونسي المتجول محمد البوعزيزي إحراق نفسه، معلنا انطلاقة الربيع العربي، كان قلة من الناس خاصة في منطقتنا العربية مهتمين باستدعاء النبوءات والأساطير التي تتحدث عن نهاية العالم. نبوءات غير محسومة وأساطير مستندة إلى حاجة نفسية ملحة للإنسان باستدعاء (المستقبل) والغيبيات عن نهاية الكون وقرب زواله. ومن كان يستند منها على نصوص متينة فإنه غير متأكد من توقيتها، ويريد إسقاطها على ما يجري اليوم.

وبينما يخشى العلماء المسلمون من فتنة الناس في حال لم يقع ما يتحدث به القلة من العلماء ترى علماء آخرين وقد ذهبوا بالشوط إلى آخره مؤمنين بعلمية ما يطرحونه فيما يرى آخرون أن الدخول في هذا "الفن" وتحويله إلى "علم" مسألة فيها الكثير من النظر.

لكن مع انفجار المنطقة، ووصول النار إلى عاصمة بلاد الشام، "دمشق" بدأ الناس باستدعاء أحاديث "الزوال" وأنه اليوم أقرب وقوعا من قبل.

ومع تدحرج الربيع العربي بدا واضحا أن شيئا ما يجري في المنطقة العربية يأخذ منعطفات حادة لم يكن بالإمكان استنباطها أو استشراف قربها سابقا، وكلها يدعم فكرة إمكانية وقوع تلك النبوءات التي يتحدث عنها بعض العلماء، التي أصبحت اليوم واضحة للرائي، تنبئ باستقبال أحداث عظام. ولا نقول ذلك إيمانا بما يجري الحديث عنه وإنما نعتمد على استعراضه فقط.

وتؤمن بعض النخب بأنه ومع انتهاء النسخة الأولى من ربيع العرب، بدأ الخط البياني الديني لما يجري في سوريا يتضح شيئا فشيئا، وذلك بالتزامن مع أحداث بلاد الرافدين، إضافة إلى ما وقع ويقع في اليمن، والعراق فظهر من يقول إن المنطقة مقبلة على نسخة جديدة من الصراع لم تؤلف سابقا.

ويقول مؤيدو هذه الفكرة: من الجلي أن صورة أحداث المنطقة ستبقى ناقصة، إلا إذا اكتملت برسم الظلال العنيفة لعقود خلت من الطغيان السياسي الذي حكم المنطقة عشرات السنين.

ويستندون في خطابهم إلى أن حبال معظم البرامج والتيارات الفكرية في المنطقة انقطع عن وصل نفسها بالشارع، وما هو موجود في الشارع يعبر عن تحالف البرنامج الإسلامي - بجميع تياراته - الذي يعاني من تحالف جيوش ضخمة من الرافضين له، حد الدم.

واللافت في هذا المشروع أنه من جهة يأخذ وجوها وأشكالًا وتيارات داخلية متعددة، ومن جهة أخرى يبدو أنه يعتمد بشكل واضح على مشروع أممي وليس قُطريا، حاضرته الشام، وخزّانه العراق واليمن، وقلبه القدس.

ووفق المؤيدون لنهاية الكون فلم يكن اندلاع شرارة الربيع العربي هي البداية الحقيقية للأحداث الدامية التي شهدتها المنطقة العربية، سواء في العراق أو سوريا أو حتى اليمن، بل كانت مجرد محطة، أو حلقة في سلسلة ممتدة بدأ زلزالها مطلع القرن الماضي بالحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة العثمانية، التي أخذت ارتداداتها بالظهور مرة بعد أخرى في معظم البلدان العربية، إلى أن وصلت ذروتها عام 1948 عندما أعلن عن ولادة كيان أطلق على نفسه اسم "دولة إسرائيل"، مرورا بتفاصيل عربية وعالمية لا حصر لها.

ويقول هؤلاء يبقى ظهور ارتدادات دون غيرها في الفاصل الزمني بين مطلع القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين، في كونها قفزات نوعية في أحداث المنطقة شكلت علامات فارقة في حياة الأمة، كان منها الحربان العالمية الأولى والثانية، ثم إعلان قيام دولة إسرائيل، وزوال الملكية في عدد من البلدان العربية بانقلابات عسكري مرتدية عباءة القومية كما وقع في مصر وليبيا، وهكذا إلى أن وصلت مرحلة الانتفاضة الفلسطينية الأولى فولادة حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، فالانتفاضة الثانية، وحولهما حربان "الخليج الأولى والثانية"، ثم سقوط عاصمة الخلافة العباسية "بغداد" بيد الولايات المتحدة الأمريكية، ليتبعها خراب عاصمة الخلافة الأموية بفعل ثورة أراد أصحابها لها أن تكون سلمية وأصر أعداؤهم أن تكون دموية، فكانت إرادة الله سبحانه الغالبة، بأن تحولت إلى مصنع لبناء ما كان يجب أن يكون، تحضيرا لما سيتلوه.

وكان سقوط بغداد بيد الحلف الأمريكي عام 2003م مظهرًا أعدّ نفسه بعناية في بلاد الفرات، بينما -ومن دون أن يشعر أحد- كانت عاصمة بلاد الشام "دمشق" تتجهز لمرحلة تاريخية ستنسف كل ما عرفناه من شكل المنطقة.

الأخطر ليس هذا وحسب، فما ينظر إليه خبراء العلوم السياسية بحساسية بالغة هو أن ما يجري في المنطقة لا يتجه نحو العودة إلى ما كان من شكل سياسي وكيانات عرفها "عربي القرن العشرين"، بل إنه ينحو نحو بناء كيانات سياسية جديدة لن يكون أحد مرتكزاتها الخطوط السياسية لـــ"سايس بيكو" التي تحولت في الذهنية العربية إلى خطوط مقدسة.

نحن اليوم نتحدث عن معطيات على الأرض تخبرنا أن القادم من الأيام والسنين ما زال يحمل في رحمه الكثير من المفاجآت، سواء على صعيد المنطقة أو على الصعيد العالمي، وكأن المجتمع الدولي اليوم يتحضر لدفن مخرجات الحربين العالمية الأولى والثانية التي كانت من أبرز ما نتج عنها سقوط الخلافة الإسلامية على الأرض، ليبني بدلا منها مخرجات جديدة بأطر وشكل جديدين.

وهنا يقول المؤيدون لفكرة نهاية العالم أن القدر يستخدم الأدوات ذاتها التي قضت على الخلافة الإسلامية لإعادتها من جديد، لكنهم وهم يفعلون ذلك يقومون به لدوافع من نبوءاتهم الخاصة...وأي نبوءة!

من المؤكد أن ملاحقة الأحداث المتسارعة على صعيد المنطقة أمر في غاية الصعوبة. وكأن هذه الأحداث اندمجت في عصر السرعة حتى فاقتها تغيرا وتبدلا. لكنها –أي الأحداث- ستبقى مجرد تفاصيل لحدث كوني أوسع بدأت إرهاصاته المتسارعة بالبروز عيانا.

ولا يفترق في الحديث عن هذه النبوءات أي من الأطراف الثلاثة المتصارعة في المنطقة سواء السنة أو الشيعة أو المسيحيون!

التعليقات1

تعليقات

  • عماد عبد القادر 02/02/2016 19:03:06

    هذا المقال من أجمل ما قرأت، يعبّر عن عمق في التحليل بتناوله قضية طالما غابت عن أقلام المحللين. وعملية الربط بين احداث المنطقة والسينما الهوليودية وأفكار الشيعة والسنة والمسيحيين وأضيف انا عليها اليهود أيضًا

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"