بقلم : شريف عبد الرحمن سيف النصر الأربعاء 03-02-2016 الساعة 12:41 ص

سر العلاقة الصفرية

شريف عبد الرحمن سيف النصر

ناقشنا في مقالات سابقة الإمكانية العملية لتواجد الجيوش جنبا إلى جنب مع الميليشيات أو التنظيمات المقاتلة من غير الدول، ورأينا هذا متحققا على مستوى بعض الأنظمة الشرق أوسطية كما هو متحقق على مستوى الدولة الأقوى في العالم؛ الولايات المتحدة الأمريكية.

ورأينا كيف أن هذه الجماعات المقاتلة تمارس أدوارا وظيفية، تمكن الأنظمة الرسمية من تحقيق أهداف لها من دون أن تتحمل بالأعباء السياسية لما تقوم به هذه الجماعات المقاتلة من أعمال. ورغم هذا لم تحظ الميليشيات بمقومات البقاء الطبيعي في عالمنا العربي، وتراجعت بشكل عام في الوقت الذي تضخمت فيه الجيوش النظامية، وظل استدعاؤها أو توظيفها محصورا في انظمة بعينها كما سبق القول، حيث تعاملت غالبية الأنظمة العربية معها بقلق، واعتبرتها بمثابة تهديد وجودي لها، مستبعدة أى احتمال للتنسيق معها أو توظيفها لتحقيق أي أهداف سياسية.

والحقيقة أن أسباب التنافر بين الجيوش العربية والميليشيات ترجع في جزء كبير منها إلى طبيعة التطور التاريخي الذي أفرز الظاهرتين، فبشكل من الأشكال ورثت الانظمة الرسمية عن المستعمر الغربي الأفكار الحداثية عن الانضباط والنظام، وتبلورت هذه الخصائص على أوضح ما يكون في المؤسسة العسكرية النظامية. فقد نشأت معظم الجيوش العربية وفقا للمعايير الأوروبية، كما أن المدربين الاوائل لكثير من الجيوش العربية كانوا قادة غربيين، الأمر الذي ساعد على نقل الأفكار الحداثية الانضباطية إلى الجيوش العربية، حيث السعي الدائم لفرض الأنماط الحديثة من التحكم، والرقابة، والسيطرة المدققة على كافة حركات وسكنات الجنود المتدربين، وقد اضطردت هذه التقاليد لدرجة أن المعايير التي تعتمدها كثير من الأنظمة اليوم لتقييم جنودها لا تكاد تنصرف إلى مستواهم المهاري واستعدادهم القتالي بقدر ما تنصرف إلى الجزئية المتعلقة بمدى تشرب هؤلاء لقيم الانضباط والطاعة للأوامر العسكرية. وقد توسع البعض في هذا المعيار (الانضباط والطاعة) إلى حد جعله صنوا للوطنية.

فأي تنظيم أو جماعة لا تخضع لمبادئ الانضباط الرسمي هي مضادة للوطنية ومهددة للأمن القومي فالغرض النهائي لكثير من الأنظمة العربية حاليا هو فرض هذه الحالة من التحكم المطلق، والرقابة الشاملة.

على الجانب الآخر نشأت الميليشيات كرد فعل محلي لوجود قوى استعمارية خارجية على الأرض. ولهذا لم تتوحد الحركات المقاومة مع القوات المستعمرة إلا في حالات قليلة (على سبيل المثال بعض الميليشيات اللبنانية مع القوت الإسرائيلية في الجنوب اللبناني)، فيما ظلت القاعدة العامة أن الحركات المقاتلة من الميليشيات نشأت بالأساس لمواجهة قوات مستعمرة، ومن ثم لم تعكس ما شهدته الجيوش النظامية من تطابق في النظم والتدريبات مع الانماط والأفكار الغربية الحداثية.

من ناحية ثانية إذا كانت الأنظمة الحداثية تنهض على فكرة الفصل بين الحياة العسكرية والحياة المدنية، على اعتبار أن هذا الفصل من مستلزمات النظام والانضباط، فإن الميليشيات غير الرسمية تدمج هذين المستويين، فالمقاتل غير النظامي هو شخصية ذات طبيعة مزدوجة، فهو في نهاية المطاف مدني التحق بعمل قتالي لكل أو لبعض الوقت، من دون أن يتخلى عن تفاصيل حياته المدنية، بعبارة أخرى فإن فرد الميليشيا ليس مضطرا للانعزال في ثكنة عسكرية طوال الوقت، وهذا تحديدا ما يجعل من وجود الميليشيات تهديدا للطابع المدني للمجتمعات، ومن المفهوم أنه ليست كل الأنظمة راغبة في تجربة نزع الصفة المدنية عن مواطنيها، والدخول إلى شكل من أشكال عسكرة المجتمع.

من ناحية أخرى فإن كثيرا من الدول العربية تتبنى العلمانية كمبدأ حاكم، إن لم يكن على مستوى التصريح فعلى مستوى التطبيق والممارسات، وفي إطار مثل هذا النمط لا يمكن استيعاب الميليشيات التي تنطلق من أساس ديني. على اعتبار أن هذه الميليشيات تدير السياسة من خلال مفهوم الهوية وليس من خلال مفهوم المصلحة المفضل للأنظمة. وترتبط هذه الجزئية بما سبقها على اعتبار أنه من صميم عملية فرض الانضباط التي تمارسها الجيوش الحديثة أن يتم تحييد الدين تماماً.

لهذه العوامل وغيرها، فإن ثمة علاقة صفرية بين معظم الانظمة العربية وبين الجماعات المقاتلة من غير الدول، وبفعل هذه الحالة الخصامية، كثيرا ما تجد الجيوش العربية نفسها متورطة في مواقع كان من المفترض أن تتواجد فيها الميليشيات لتقاتل نيابة عنها بها، كما أنها تتورط في كثير من الأحيان في وصلات دموية من قتال هذه التنظيمات نفسها، الأمر الذي يزيد المعدل الكلي من الفوضى التي تحاول الأنظمة التخلص منها (عبر القضاء على هذه التنظيمات المسلحة)، فإذا بها تساهم في تفاقمها، فيما تستمر الميليشيات في البقاء.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"