بقلم : سعد بن طفلة العجمي الأحد 14-02-2016 الساعة 09:58 ص

القصف الروسي الرحيم

سعد بن طفلة العجمي

تطرح هذه المقالة تساؤلات حول درجات الرحمة والقسوة بالقتل عبر القصف الجوي والمدفعي والمذابح والتهجير القسري والتطهير الطائفي الذي يتعرض له الشمال السوري هذه الأيام. منذ أشهر والمدن السورية دون استثناء ودون تتعرض لقصف عشوائي روسي من الطيران الحربي الروسي، القصف الروسي لا يميز ولا ينتقي ولا يختار، فهو تكرار لسيناريو قصف غروزني- عاصمة الشيشان- التي أعلنتها الأمم المتحدة عام 2003 أكثر المدن دماراً بالعالم.

حين قصف العالم بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بغداد بعد احتلال العراق للكويت عام 1990، خرجت مظاهرات عارمة في عواصم ومدن عديدة تندد بقصف وتدمير عاصمة الرشيد، ورمز الحضارة العربية الغابرة، وحين غزت الولايات المتحدة الأمريكية بغداد عام 2003 للإطاحة بدكتاتورية صدام حسين، تكررت نفس المظاهرات بنفس العواصم تنديدا بالغزو "البربري الهمجي الغادر" الذي دمر الأخضر واليابس بالعراق.

وكذا حين غزت إسرائيل لبنان عام 2006 وحين أحرقت غزة عامي 2008 وصيف العام الماضي. ولا بأس فذاك حق من أراد التظاهر والاحتجاج، ولا ضير فتلك دافعها الضمير والتضامن العروبي والإسلامي والإنساني، أو هكذا فليفترض المفترضون.

ولكن لماذا لم تخرج مظاهرة واحدة بالعواصم التي نددت بقصف بغداد منذ اندلاع جحيم القصف الجوي الروسي على المدن السورية وبالأخص مدينة حلب العريقة؟ لا أمتلك إجابة منطقية واحدة على التساؤل، ولكن دار بخلدي تساؤلات قد يكمن بثنايا بعض الفهم للتضامن الانتقائي مع قصف المدن العربية العريقة كبغداد وحلب. فبغداد عاصمة الرشيد، وحلب عاصمة سيف الدولة وأبو فراس الحمداني وأبو الطيب المتنبي وواحدة من أقدم مدن العالم المأهولة بالسكان. وسوريا بلد الأمويين، وقبلة الشرق وحاضرة الشام وقلعة العروبة، إلخ.

هل ماتت المشاعر وتبلدت الأحاسيس لدينا؟ هل وصل الإحباط بيننا ألا فائدة ترجى من التظاهرات والتعبير عن الغضب بالهتافات والشعارات؟ هل لأن القصف روسيا وليس أمريكيا أو إسرائيلياً؟ هل يختلف جحيم القصف بين الأف18 والميغ والسوخوي؟ هل لازالت تأثيرات اليسار العربي والتعلق الوهمي بالشرق السوفييتي السابق-القيصري حاليا وراء مثل هذه "السلبية" الصامتة؟ هل لأن الخليج وأهله متضامنون مع أهل الشام وثورته وثواره ويطالبون برحيل طاغية الشام الذي تسبب بمقتل ربع مليون واختفاء واعتقال عشرات الآلاف وتشريد الملايين وتدمير بلد بأكمله؟ هل السبب كل ما هو أعلاه؟

الحقيقية أنني لا أمتلك إجابة واحدة ومحددة لتلاشي الغضب العربي الشعبي الذي اجتاح عواصم عربية احتجاجا على قصف بغداد وبيروت وغزة، ولكنه اليوم يتفرج ببلادة منقطعة النظير على خراب وتدمير المدن السورية سحقا ومسحا وبطشا من أجل عيون بشار الأسد. لعل مثل هذه التساؤلات مناسبة لمراجعة بعض ضمائرنا، وفرصة للتفكير بانتقائية الغضب الشعبي حسب مدينة الجريمة وجنسية ونوع المجرم.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"