بقلم : أ. د عبد الله جمعان السعدي الإثنين 22-02-2016 الساعة 01:05 ص

السفير عتيق البدر في ذمة الله

أ. د عبد الله جمعان السعدي

رحل عن عالمنا المليء بمآسي وملذات الدنيا، وحلوها ومرها، قبل 10 أيام تقريبا، السفير عتيق بن ناصر البدر، سفيرنا السابق في "دكا" عاصمة بنغلادش، رحل الفقيد "الغالي" عن عمر ناهز السبعين عاماً، حيث أذكر أنه من مواليد عام 1946م تقريبا "نسأل الله للفقيد الرحمة والمغفرة ولأهله وأحبابه والوطن الصبر والسلوان".

بعيدا عن الأضواء والإعلام، الذي يصاحب في كثير من الأحيان حالات الوفاة لمثل هذه الحالات التي تركت خلفها إرثاً كبيراً من العطاء والمحبة والمودة، رحل "كما أراه من وجهة نظري المتواضعة" ويراه كل من عرف هذا الرجل عن قرب، أحد كبار المثقفين والمخلصين للوطن ودينه ومجتمعه، فقد كان رحمة الله عليه، تقياً ورعاً، متواضعاً، وكان لَبقاً في حديثه، إذا تحدث انصت إليه الجميع، حيث أسلوبه الفريد والمتميز في طرح الموضوعات ومناقشتها بطلاقة وطريقة جذابة.

كان رحمة الله عليه مخلصا لدينه فقد كان "حافظاً لكتاب الله" وتعاليم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ساعده في ذلك دراسته لدى المطاوعة قبل إنشاء المدارس النظامية في قطر، ثم التحق بعد ذلك بالتعليم النظامي عام 1960م "بحسب ذاكرتي"، ثم درس المرحلة الإعدادية والثانوية في المعهد الديني الثانوي، وكان وقتها يقع خلف استاد الدوحة الرياضي سابقاً، ثم عمل مدرساً، حيث كان من أوائل المعلمين القطريين الذين عملوا في مجال التعليم، ليبدأ بذلك في رحلة عطائه لوطنه الغالي قطر "ويا ليت وزارة التعليم والتعليم العالي تكرمه"، هو وأبناء جيله من أوائل المعلمين في قطر، الذين شاركوا في النهضة التعليمية في البلاد في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي.

وقد حصل رحمة الله عليه على الشهادة الجامعية من جامعة الأزهر الشريف ثم التحق بأول وزارة للخارجية عند إنشائها، فكان مديراً لمكتب سعادة وزير الدولة للشؤون الخارجية حينها "سعادة الشيخ أحمد بن سيف آل ثاني"، ثم تم تعيينه سفيراً فوق العادة في دكا عاصمة بنغلادش، وقد كان رحمة الله عليه من أعز الأصدقاء والجيران، فقد تربينا معاً في فريج البدر "السلطة القديمة"، وقد تزاملنا في المعهد الديني الثانوي، وتشرفت بتلك الزمالة، التي استمرت بعد ذلك في التدريس، بمدرسة خالد بن الوليد، وفي جامعة الأزهر الشريف بالقاهرة، لنفترق بعدها عن المكان الواحد الذي يجمعنا، فقد انتقلت للعمل بالتلفزيون، وانتقل هو إلى وزارة الخارجية.

وأذكر للمغفور له، أنه نمت وازدهرت وتوطدت العلاقات بين دولتنا الحبيبة وجمهورية بنغلادش الشقيقة، نمت وتوطدت بشكل كبير جدا عندما كان "المغفور له بإذن الله" عتيق بن ناصر البدر سفيراً للدولة في دكا، حيث زاد عدد البنغاليين في البلاد (مؤذنين وأئمة في بعض المساجد وعمالا وفي مهن أخرى كثيرة)، وقد كان يتميز بدماثة الأخلاق، وحسن العلاقات مع كل من حوله بمختلف الأماكن والمواقع، وقد قام بتمثيل بلده دبلوماسيا خير تمثيل، وقد كان النموذج الذي يقتدى به "معلما ودبلوماسيا" وإنسانا مثقفا ومتواضعا ومسلما ملماً بتعاليم دينه.

لقد كان السفير عتيق "رحمة الله عليه"، أحد أحفاد النوخذة سلطان البدر، وهو من نواخذ البحر المعروفين آنذاك، وقد كان فريج البدر بجوار البحر وبه نواخذة كثيرون، أذكر منهم على سبيل المثال وليس الحصر، الوالد سعيد البديد، والوالد سعد النصف، والوالد أحمد البوجسوم "رحمة الله عليهم جميعا" وغيرهم من النواخذة المعروفين، وأولادهم جميعاً نواخذة وقد عملوا في الغوص على اللؤلؤ.

أما الأحفاد ومنهم سعادة السفير عتيق بن ناصر البدر فقبل الشروع في دخول البحر، أكرمنا الله بالتعليم النظامي في قطر، واهتم شيوخنا حينها بالتعليم، وكانت تصرف الرواتب للطلبة الملتحقين بالتعليم، إضافة إلى الملابس الصيفية والشتوية، ووجبتين للإفطار والغداء، إلى جانب توفير المواصلات، كما أن ظهور اللؤلؤ الصناعي جعل الناس يهجرون اللؤلؤ الطبيعي لغلائه ويتعاملون مع اللؤلؤ الصناعي الرخيص في أسعاره، بالإضافة إلى بيع البترول بكميات اقتصادية تغطى حاجة البلاد وتزيد، كل هذا جعل الغالبية يتجهون للتعليم ومنهم الفقيد سعادة السفير عتيق بن ناصر البدر، أسكنه الله فسيح جناته وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان، "وإنا لله وإنا إليه راجعون"، والله من وراء القصد.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"