بقلم : خالد عبدالحليم الثلاثاء 08-03-2016 الساعة 12:56 ص

الفن بين المباح والمتاح

خالد عبدالحليم

بعض الناس يتصورون الدين حرمانا من الحياة ومباهجها، حتى إن مفهوم التدين في فترات الانحراف البشري والابتعاد عن المصادر الصحيحة للوحي قد انحرف عن حقيقته وأصبح محصورا في زوايا الصوامع والمعابد، وابتدع تجار الدين التبتل والرهبانية والانقطاع عن زينة الحياة الدنيا والطيبات من الرزق وشهوة الجسد، ونظروا إلى العلاقات الجنسية نظرة احتقار وتحريم قاسية، ولو كانت في إطار الزواج الشرعي، ومنهم من اعتنق فلسفة تعذيب الجسد طريقا إلى الخلاص، واعتبر الحرمان بوابة رضا الرحمن!

وفي عصور التراجع الحضاري وظلام الجهل في فترات متقطعة والتي ألقت بظلالها على الثقيلة على عالمنا الإسلامي، اتجه بعض المسلمين إلى المنحى ذاته تحت شعار الزهد، وفي ظل ذلك غابت عنهم توجيهات نبوية كريمة بأن الله تعالى يحب أن يرى أثر النعمة على عبده، وأن من أحب الأعمال إلى الله بعد الفرائض إدخال السرور على المسلم.

وما أحوجنا في هذا العصر إلى كتابات تبين لنا حدود المباح من المتاح في مجال الفن، لاسيما وأن وسائل الترفيه وأسبابه وإغراءاته باتت صناعة رائجة لها عالمها الخاص وإمكاناتها التي تتبارى فيه الشركات والمؤسسات، ولسنا نبالغ في القول بأن الدول اليوم باتت مطالبة بتقديم خدمات الترفيه للجماهير وتوفير فرص الابتعاد عن ضغط الحياة اليومي، للحفاظ على التوازن النفسي للفرد والجماعة، ويشهد الواقع بأن دولة قطر رائدة في هدا المجال.

والدعوة إلى الترفيه والاستمتاع بالمباح من المتاح في مجال الفنون لا تنطلق من باب التفلت أو إهمال العزائم ومقومات الورع، وإنما من باب شكر الله تعالى على نعمائه وتعبده بحلاله، وينسب إلى الأمام الشوكاني قوله: "إن التنزه عن الحلال ليس من الورع"، ومن طريف ما يحكى أن منغلق الفكر والعقل كان قد امتنع عن شرب العسل، فسأله الإمام الثوري عن علة ذلك، فقال: أخشى ألا أؤدي شكره، فقال له الإمام: وهل تؤدي شكر الماء البارد؟!

إننا نحتاج في عالمنا اليوم إلى إعادة النظر في بعض المسلّمات التي يغلب على ظن البعض أنها من الدين، وأن مخالفتها تستوجب غضب الله ولعناته، ومع ذلك فلا ننكر ضرورة توفير الأجواء النظيفة في وجه موجات الإفساد تحت ستار الفن، لأن أبواب الحلال تحتاج إلى إقفال أبواب الحرام، ولكن إطالة لائحة المحرمات والمحظورات دون توفير البديل الحلال ليست من الدين في شيء، والأصل في الأشياء الإباحة إلا ما نص الشارع على تحريمه بنص قاطع الثبوت والدلالة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"