بقلم : د. محيي الدين تيتاوي الثلاثاء 08-03-2016 الساعة 01:01 ص

الترابي الذي عرفته

د. محيي الدين تيتاوي

عرفت الشيخ الدكتور حسن عبدالله الترابي وأنا أضع أولى خطواتي بالجامعة حين كان أحد مؤسسي جامعة أم درمان الإسلامية عام 1966. شاهدته هناك وازدادت معرفتي به عندما كنا نقيم في داخلية الهاشماب بالقرب من شارع الموردة وبلدية أم درمان وحوش الخليفة حيث دار حزب الأمة التي شهدت منتديات (القوى الحديثة)، د.الترابي وهو شاب متحمس، والصادق المهدي وهو خريج جديد قادم من بلاد الضباب ومتطلع لتحقيق أهدافه ويحمل جملة من المصطلحات السياسية التي كانت جديدة على السياسة السودانية مثل ديمقراطية ويست منستر والسندكالية، وكنا نلتقط تلك المصطلحات الجديدة والمبتكرة ونتعامل معها ونتفاعل. وكنت أحضر منتدى القوى الحديثة الأسبوعي (ندوة الأربعاء) حبا في كلا الرجلين وحماسهما وإعجابا بالآلية التي كانا يتناولان بها قضايا السياسة السودانية. كان ذلك بعيد ثورة أكتوبر 1964، وكنا وقتها في السنة النهائية للدراسة الثانوية بالبحر الأحمر.

* تواصلت العلاقة بالرجل وأفكاره وآرائه الحديثة الفصيحة، وقد درسنا في المرحلة الثانوية الفقه والتوحيد والسيرة والحديث، ولم نكن بعيدين عن أجواء فكر ومنطق ودعوة الدكتور. وأذكر أن اتحاد طلاب الإسلامية كان صِنْوًا لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم، بل كان أكثر قوة وثباتا، إذ كان الأستاذ إبراهيم عبدالصادق رئيسا لاتحاد الجامعة الإسلامية، بينما كان الأستاذ قطبي المهدي رئيسا لاتحاد الخرطوم، ولعل التنسيق بين الاتحادين كان واضحا من خلال التظاهرات في أحداث طلاب الخرطوم فيما عرف بـ"الجكو" التي كان وراءها اليسار الطلابي.

* سُقت هذه المقدمة لكي أشحذ الذاكرة للحديث عن هذا الرجل القامة الذي ما إن تراه إلا ويستقبلك بالبِشر والابتسامة العريضة ويشعرك بالثقة والثبات.

* حسن الترابي رجل -بجانب ثقافته الواسعة وفكره الوقاد المبتكر- متواضع، عنده استعداد كي يستمع إليك وله القدرة على الإقناع والقيادة، وهو رجل ذكي عصري مجرد مجدد ومتجدد، أنشأ جبهة الميثاق وقاد عضوية هذا التنظيم الصفوي الذي قوامه الطلاب والشباب خلال ستينيات القرن الماضي، وجمع حوله رجالا هيئته الثقافية ذاتها: يس عمر الإمام، وإبراهيم السنوسي، وزين العابدين الركابي، وجعفر شيخ إدريس، وعلي عثمان محمد طه. وفي عهد مايو استطاع بعد أن خرج من السجن تكوين الجبهة الوطنية ويقاتل، ثم تحول إلى المصالحة فأقنع من كانوا معه من أنصاره والآخرين فدخلوا في نظام مايو، وأقنع النميري بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية وكانت لدى النميري توجهات نحو (النهج الإسلامي) فكانت الشريعة التي قلبت كل الموازين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فقامت المؤسسات والمصارف الإسلامية، فأحدث تحولا كبيرا في المجتمع السوداني المسلم الذي كان يتعامل وفق معاملات ربوية، فقامت تجربة بنك فيصل الإسلامي، وبنك التضامن الإسلامي، وديوان الزكاة الذي صار اليوم من أهم المؤسسات الاقتصادية الإسلامية، وأحدث تحولات أيضا في التشريعات والقوانين عندما تولى أمر النائب العام. وهناك الكثير الذي يمكن أن نملأ به الصحف والكتب للآثار التي أحدثها الدكتور حسن الترابي في جوانب الحياة السودانية كافة، عليه رحمة الله تعالى.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"