بقلم : صالح عطية الخميس 24-03-2016 الساعة 12:47 ص

البورقيبية الجديدة

صالح عطية

أدرك التونسيون يوم الأحد المنقضي (20 مارس)، العقد السادس من عمر استقلال بلادهم عن المستعمر الفرنسي، الذي جثم على صدورهم منذ العام 1881 إلى غاية العشرين من مارس 1956، تاريخ الحصول على ما يعرف بـ "وثيقة الاستقلال"، التي كانت الخطوة الأولى في مسار بناء الدولة التونسية الحديثة.

يتذكر التونسيون هذه اللحظة التاريخية، بكثير من الحنين إلى الماضي ورجاله ورموزه والسياقات التي جعلت هذه الذكرى عزيزة على قلوبهم، غير أن هذا الحنين، تحوّل منذ نحو ثلاث سنوات، خصوصا بالنسبة إلى البعض من الفاعلين السياسيين، إلى ما يشبه القداسة لشخص الزعيم الحبيب بورقيبة الذي ينعت هنا بـ"رجل الاستقلال".

طفق لفيف من الطبقة السياسية يتحدث عن بورقيبة و "البورقيبية"، في نوع من استدعاء الماضي للخروج من مآزق الحاضر، وبات الرئيس الراحل، عنوانا لمرحلة، كانوا بالأمس القريب، ينتـقـدونها ويتبرأون من مخرجاتها، وباتوا اليوم يقدمونها للتونسيين، كعنوان "خلاص" لمشكلاتهم الراهنة.

لم يدرك جزء من النخبة التونسية، أن ثورة 14 يناير التي دفع التونسيون دماءهم من أجلها، لم تكن سوى هبّة شعبية كانت تهدف بالأساس، إلى إنهاء تجربة ومسار وخيارات، والقطع مع ماض، أرهقهم وحوّل حياتهم إلى جحيم، وعطّل دورة الأمل في شرايينهم، وكانت سياسات بورقيبة أحد مسبباتها الرئيسة.

لقد اشتغل كثير من السياسيين والمثقفين والإعلاميين في تونس منذ انتخابات 2011، على تـتـفيه الثورة والحراك الشعبي، وتقديم ما يجري في تونس على أنه ردّة ضدّ الدولة التونسية ومكتسبات البلاد، وبدلا من البحث عن مشتركات لبناء المرحلة الجديدة، مثلما انهمك بورقيبة تاريخيا في بناء دولة على أنقاض الاستعمار، قاموا باستدعاء بورقيبة ذاته، وقدموا مرحلة حكمه كنموذج للمستقبل، وهذا أبخس ما يمكن أن تصاب به أمّة، عندما يتحول ماضيها، الذي هو مزيج من القمع والاستبداد والدكتاتورية وجرائم الفساد السياسي والمالي، وسلب الإرادة الشعبية، إلى عنوان للحاضر، ومؤشر للمستقبل، وكأن العقل التونسي توقف وتحنّط عند حدود تلك المرحلة التاريخية.

نعم لقد فتح بورقيبة التعليم المجاني لكافة الأطفال التونسيين، ووضع التشريعات والآليات لكي تكون المرأة التونسية، جزءا من عملية بناء الدولة الجديدة، ووفر الصحة المجانية لعموم المواطنين، لكنه مع كلّ هذه المكتسبات، لم ينجز الرجل تنمية، وكرّست سياساته التفاوت الجهوي والطبقي، وزجّ بخصومه ومعارضيه في غياهب السجون والمعتقلات، استوى في ذلك اليوسفيون واليسار والنقابيون والإسلاميون، واعتبر المسألة الديمقراطية "هاجس النخبة"، ومطالب الحريات، مجرّد "ترف حقوقي"، وأعلن نفسه "رئيسا مدى الحياة"، قافزا بذلك عن منطق التداول السلمي على السلطة، بل إن البلاد في عهده لم تعرف انتخابات نزيهة مطلقا..والنتيجة، بانوراما من السياسات اعتبرها باحثون موضوعيون، جزءا من "التحديث المغشوش" الذي عاشه التونسيون على امتداد الحكم البورقـيـبي..

وتعكس "ثقافة الصنم" التي يستعيدها البعض اليوم، وجود أزمة مرجعية في فكر قسم من النخبة التونسية، التي تبدو غير قادرة على إنتاج مرجعية جديدة تليق بسياقات اللحظة السياسية الراهنة وطموحات التونسيين، لذلك تعانق الماضي رغم كل جراحاته والدماء التي سالت خلاله، ورغم كلّ التحولات العميقة التي تحصل في البلاد..

تونس تمرّ اليوم بمحاولة بناء مرجعية للحكم، فهل تنجح طبقتها السياسية في نحت نموذج جديد بعيدا عن هذا الشكل من "السلفية السياسية"؟

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"