بقلم : سعد الهديفي الإثنين 28-03-2016 الساعة 01:46 ص

التصالح بدايته الذات

سعد الهديفي

إذا أردت أن تكون سعيداً قانعاً فرحاً بما حباك الله به من نعم وخيرات فتصالح مع ذاتك أولاً قبل كل شيء، فالتصالح مع الذات مفتاح السعادة وطمأنينة القلب وانشراح الصدر، تصالح مع نفسك ولا تلمها كثيراً فإن اللوم والعتاب يهدمان العزيمة ويضعفان الإرادة ويسببان اليأس، يقول ابن الرومي:

دَعْ اللومَ إنَّ اللومَ عونُ النوائِبِ ولا تتجاوز فيه حدَّ المُعاتِبِ

فما كلُّ مَنْ حطَّ الرِّحالَ بمُخفقٍ ولا كلُّ مَنْ شدَّ الرحالَ بكاسبِ

وفي السعي كَيْسٌ والنفوسُ نفائسُ وليس بكَيْسٍ بيعُها بالرغائبِ

تصالح مع عقلك ولا تشكك في قدراته كثيراً فيصبح محجماً مهزوزاً يعترف بعقدة الخواجة وكأنه لا يقدر ولا يستطيع أبداً إلا أن يكون ثالثاً أو رابعاً إن لم يكن أكثر، ولمَ ذلك وقد كرمك الله بعقل راجح تميز به بين الخير والشر وبين الحق والباطل؟! تصالح مع شكلك فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان وأعلم أن لكل منا ما يميزه فالشكل هو هبة الخالق وأنت أفضل حالاً من كثيرين فلاتكن كالجميل الفارغ الهش يعبأ بالآخر ويسير كيفما يريد غيره أن يصير ويصبح. بعد التصالح مع الذات والشكل والعقل ستكون قادراً على مبادرة التصالح مع الآخر لأنك تعلم يقيناً أن التصالح معه أصبح أسهل وأيسر، فاختلاف أشكالنا يجب ألا يجعلنا ننتقي قراراتنا حسب ألواننا أو أعراقنا! وتنوع ثقافتنا لا يعني بالضرورة أننا مختلفون بل متنوعون وهذا ما يغنينا! إصرار البعض على رأيه حق وليس جرماً، فلا داعي لأن نتخاصم نتيجة نقاش مادام لا يمس أسسنا العقائدية التي نصت على حسن التعامل مع الآخر. نختلف مع أهلينا وذوينا بسبب صغائر الأمور فيكون نتيجتها قطع رحم وشتم وفجور. طريق يسلكه من هانت عليه الآخرة وتعلق بالدنيا. التصالح يستدعي أن تبادر أنت إلى الآخر وتتغاضى عما حدث فأنت تسلك طريقاً له نهاية فأحسن المسير. عجيب حال البعض منا يتخاصم ويسيء إلى من أحسن إليه بل يتفنن في الإساءة إلى المحسن إليه، ثم يندم بعد أن تغادر الروح الجسد وليته ينفع.

التصالح لا يتطلب جلسات مصالحة وشهوداً وحكاماً بل موقفاً أصيلاً من نفس طيبة تطرق باب الآخر طالبة رضى الله قبل رضى الآخرين. التصالح يبنيه الصدق ويهدمه الكذب، يعززه الخلق وتنسفه الافتراءات. التصالح يحتاج جرأة منك لا تصديق الناس لادعاءاتك وقصصك. التصالح أساسه نية صادقة لتجاوز الخلافات لا التدقيق والتشكيك. التصالح يكون بين الناس أفراداً وجماعات ويشمل المنظمات والحكومات ولا ينجح إلا إذا كان صادقاً خالصاً لوجه الله عز وجل. يقول الله تعالى في كتابه الكريم " وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ {فصلت: 35،34} هي دعوة للتصالح بنيّة خالصة لله لا بنيّة الحفاظ على أغراض دنيوية، وقبل أن تبدأ تذكّر أن تتصالح مع ذاتك بصراحة كي تكون مستعداً للتصالح مع الآخرين. كن صريحاً متصالحاً تعش مع الآخر في وئام وسلام.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"