بقلم : صالح المبارك الخميس 31-03-2016 الساعة 01:56 ص

النبوءات في زمن الثورات

صالح المبارك

منذ قديم الزمان وحتى يرث الله الأرض ومن عليها يبقى الإنسان شغوفًا بمعرفة الغيب والتنبؤ بأحداث المستقبل، وطالما زعم الكهنة والعرّافون والمنجمون التنبؤ بأحداث المستقبل ليخدعوا الناس ويقبضوا ثمن نبوءاتهم أموالا ومناصب وشهرة. وقد حسم الإسلام هذا الأمر بالتأكيد على أن الله تعالى وحده (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) وأنه (لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله) وأنه (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ) وأنه لم يطلع حتى رسله وملائكته على الغيب كله (وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ) فهو (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا) بل إن رسول الله الذي كان يتلقى الوحي من السماء يعلن للناس (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) و(وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) كما استنكر رب العالمين أولئك الذين يزعمون معرفة الغيب (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) و(أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى) و(أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ).

لكن الله سبحانه وتعالى أطلعنا على ما يريد إطلاعنا عليه من الغيب كيوم القيامة وأهواله (من غير توقيت أو تفاصيل كاملة) وأوصاف الجنة والنار (وصفًا جزئيًا أيضًا) كما ذكر بعض الأحداث المستقبلية بشكل غير محدد زمانًا أو مكانًا كانتصار الروم على الفرس (غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ) و(لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون) وموت أبي لهب على الكفر وغير ذلك، ليس للحصر أو التفصيل التاريخي بل لحكمة أرادها الله عزّ وجلّ. وبعض هذه النبوءات أتت بشكل اختلف عليه المفسرون: هل حدث أم لم يحدث بعد (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين) ولكن العبرة هي ليس فيما حصل فقط ولكن في سنة الله في بني إسرائيل (وإن عدتم عدنا). ولعل نبوءات الرسول الله صلى الله عليه وسلم والتي أوحيت إليه بالقدر والتوقيت الذي أراده الله تعالى، جاءت لبث الأمل والتفاؤل في صدور المسلمين كبشارته لـ سراقة بن مالك بسواري كسرى وبشارته بفتح فارس وقت حفر الخندق وبشارته بفتح القسطنطينية، أو لتحذير من فتنة كقوله لعمار بن ياسر (تقتلك الفئة الباغية).

والإيمان بالغيب جزء أساسي من عقيدة المسلم (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) لكن الغيب من علم الله وليس من علم البشر أو غيرهم من الخلق فالبشر خلقوا لغاية محددة (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعبد ونِ) وعبادة الله تقتضي طاعته في إقامة العدل في الأرض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن البديهي أن الله تعالى يحاسب الناس على قدر ما أعطاهم من قدرة ومسؤولية فهو يحاسبنا بما نملك ولا يحاسبنا فيما لا نملك وقد سنّ لنا سننا وقوانين طبيعية كي نسير عليها، وقد يُخَيّل لملحد أن إيماننا بالقضاء والقدر معارض لقوانين الطبيعة، كما قد يُخَيّل لمؤمن أن عملنا لن يؤثر في المستقبل (الغيب القادم) ولن يغيّر ما سيكون عليه الواقع لأن ذلك مكتوب في علم الله الأزلي، لكن الفريقين مخطئان فنحن لا نعلم الغيب ولسنا مسؤولين أو محاسبين على أمر لا نملكه ولا حتى على تحقيق النتائج من العمل ولكننا محاسبون ومأجورون على النوايا أولًا ثم على بذل الجهد المطلوب لتحقيق الهدف، وهناك نصوص كثيرة في الحديث وفي الأثر بأن الدعاء يَرُدُّ القضاء ففي حديث النبي صلى الله عليه وسلم (إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء)، وقال صلى الله عليه وسلم (لا يرد القضاءَ إلا الدعاءُ)، وقال أيضًا (لا يزال القضاء والدعاء يعتلجان - أي: يتصارعان - ما بين الأرض والسماء) وقال أيضًا (الدعاء يرد القضاء، وإن البر يزيد في الرزق، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) وقال أيضًا (لا يرد القضاءَ إلا الدعاءُ، ولا يزيد في العمر إلا البرُّ) بل إن المسلم حين يدعو اللهَ عليه أن يفعل ذلك وهو موقن بالإجابة وفي الحوار الطريف بين الفاروق عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح حين كان متجهًا إلى الشام وسمع بوقوع الطاعون فيها فأراد أن يعود خوفا على من معه فاستنكر أبو عبيدة ذلك وقال لـ عمر: أتفرّ من قدر الله؟ فأجابه عمر: نعم... أفرّ من قدر الله إلى قدر الله. ومما روي عن العالم العامل عبد القادر الجيلاني قوله: أنا أغالب الأقدار بالأقدار.

لكن الله سبحانه وتعالى من خلال آيات القرآن الكريم والهدي النبوي كان دومًا يوجّه المسلمين للتفكير والعمل بما هو من واجبهم وتحت مسؤوليتهم وليس بما سيأتي في الغيب مما لا يعلمه ولا يقدر عليه إلا الله. فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بالتفكير في مخلوقات الله ونهاهم عن التفكير بذاته (تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في ذاته فتضلوا)، كما أنه أجاب الرجل الذي سأله (متى الساعة؟) بـ(وماذا أعددت لها؟) فتوقيت الساعة ووقوع أشراطها وعلاماتها لا علم لنا به ولا سلطة لنا عليه، وعلينا ألا نعلّق أمور حياتنا وواجباتنا عليه، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيل فليغرسها) وفي هذا الحديث رسائل مهمة لنا فالفسيل يحتاج بضع سنوات حتى يؤتي ثمره فقد يفكر أحدنا: وما فائدة غرس الفسيل إذا قامت الساعة وانتهى العالم؟ فيأمره الحديث الشريف: قم بواجبك ولا تنتظر نتائجه فأنت محاسب على ما تقدر ولست محاسبا على ما ليس في مدى علمك أو قدرتك.

تبقى قضية أحاديث النبوءات: المهدي والمسيح الدجال وعودة السيد المسيح وقيام الساعة...ما الغاية من تلك الأحاديث (أو ما صحّ منها) وماذا ينبغي لنا أن نفعل تجاهها؟ وفي فترة الثورة السورية وكثرة القتل والفتن، يأتي كثير من الناس بأحاديث عما سيحصل في "آخر الزمن" من مقدمات لظهور الدجال وعودة المسيح عليه السلام وبالتالي ظهور علامات الساعة ثم تأتي روايات الناس على تفاصيل ما سيحصل، ومَنْ سيقاتل مَنْ ومَنْ سينتصر... والناس تقرأ ذلك وكأنها تتفرج على فيلم درامي تنتظر انتصار البطل في النهاية. أرى في هذا الأسلوب مشاكل عدة فكثير من الأحاديث التي تروى ليست صحيحة كما أن بعضها يستعمل المجاز وقد لا يكون تفسيره واضحا، لذلك يلجأ البعض إلى إسقاطه على الواقع إسقاطا غير دقيق والبعض يستطرد في مقاربة عبارات الحديث للوقائع على الأرض فيقع في متاهات لا طائل منها بل تشغلنا عن واجباتنا، وأحيانا يكون التأويل لتحقيق مأرب كمن يريد تبرير تحالف مع أمريكا ضد روسيا فيؤول أحلاف المسلمين في الحديث على أنهم الدولة الفلانية التي سنتحالف معها ضد "عدو مشترك". لا أنكر أن بعض هذه الروايات قد تنعش الآمال وتزيد التفاؤل بالنصر ولكن شعورنا هذا إن لم يرافقه استعداد كامل للقيام بالمهمة حسب القوانين الطبيعية كمن يتناول جرعة مخدر ليعيش في عالم وردي بعيدا عن الواقعية، ومنتظرا تحقق النبوءات حتى يأتي الفرج.

في واقع الأمر ربما تكون بعض النبوءات المذكورة في الأحاديث مرتبطة بما نعمله كسبب ونتيجة وليس ارتباطا بزمن محدد فبعضنا يفهم الحديث الشريف (لو أنكم تتوكلون على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير: تغدو خماصًا – أي خاوية البطون - وتروح بطانا – أي ممتلئة البطون) كما لو أن الرزق مكتوب لتلك الطيور سواء بحثت عنه أم لم تبحث بينما أفهم أن الله كتب لها رزقها إن قامت بما عليها من مجهود للبحث عنه فالحديث ذكر (تغدو وتروح) ولم يقل أنها رابضة في أعشاشها تنتظر السماء تمطر عليها بالطعام.

أمر آخر مهم فمقياس الزمن أمر نسبي فحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بعثت أنا والساعة كهاتين) مشيرًا بإصبعيه السبابة والوسطى، كدلالة على اقتراب الساعة لم يقصد أياما أو شهورا أو سنين أو حتى قرونا فهو في حديث آخر يتكلم عن قرون من الزمن تأتي بعده (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام) لذلك يجب ألا نفسّر اقتراب الساعة تفسيرا زمنيا محددا حسب أفهامنا... فيوم عند الله بألف سنة وبخمسين ألف سنة واقتراب الساعة لا يعني بالضرورة أننا سنرى نهاية العالم ولا أبناؤنا ولا أبناؤهم ولنتذكر أن قيامة أحدنا موته.

لن ننكر ما صحت روايته من الأحاديث ولكن لن نتأوله ولن نتوقف كثيرا على تصور المستقبل واستقراء أحداثه والتنبؤ بتوقيتها وعلاماتها، فلو شاء الله لأعلمنا بها ولكنه – لحكمة أرادها – لم يفعل ذلك، ولكن سنشغل أنفسنا بواجبنا وهو (وماذا أعددت لها؟) وسنسير على قاعدة سيدنا علي بن أبي طالب (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا) فالعمل من مسؤوليتنا والغيب من مسؤولية الله عز وجل.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"