بقلم : صالح عطية الخميس 14-04-2016 الساعة 01:55 ص

تونس: هل هي نهاية مرحلة "الكرافاش"؟

صالح عطية

وأخيرا، صادق مجلس نواب الشعب (البرلمان التونسي) على الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب في جلسة صاخبة، انتهت باختيار نحو 16 عضوا لأول تشكيلة دستورية مستقلة في تاريخ تونس، ستعنى بمقاومة التعذيب.

والواقع، أن التعذيب في تونس، مثّل عنوانا مركزيا لمرحلة "الدولة الوطنية"، أي طيلة ستين عاما من استقلال البلاد التونسية عن الاستعمار الفرنسي، الذي خرج ليخلّف وراءه ممارساته القمعية وصنوف التعذيب التي ذاق المناضلون التونسيون من ويلاته طويلا، بين السجون والمنافي.

لم تختلف فترة الرئيس المخلوع، بن علي، عن حقبة "الزعيم" الحبيب بورقيبة، من حيث حجم الانتهاكات، وضخامة التنكيل بالمعارضين والمختلفين مع النظام، فكريا وسياسيا وإيديولوجيا، حتى بات التعذيب، منهجية حكم، وأحد مرتكزات الدولة الجديدة التي توصف بـ"الحداثية"، ما جعل الحداثة مرتبطة ضمنيا بعنوان الاستبداد وبناه التحتية، من تعذيب وقمع للحريات، وانتهاك لحقوق الإنسان، في أحلك صورها وأشدّها عنفا وبربرية أحيانا.

لم يجد أنصار النظام السابق ما يدافعون عنه.. فالانتهاكات شاخصة للعيان، والضحايا بالآلاف، والتقاليد الموغلة في المعاملات المهينة والعقوبات القاسية واللاإنسانية، والممارسات السالبة للحرية والكرامة، والنصوص المؤسسة، والمبررة لذلك، هي المهيمنة على المنظومة القانونية والتشريعية في تونس، بل حتى التعديلات التي يقوم بها النظام من حين لآخر لتلميع صورته، كانت تبدو كما عملية تجميل على امرأة بلغت من العمر عتيّا، بحيث لا تنفع البتّة فيما أفسدته خيارات وسياسات وفلسفة حكم، كانت ترى في القوة وعنف الدولة، و "الكرافاش" (عصا التعذيب) ، هي السبيل لإدارة الدولة وتطويع المواطنين.

في كلمة، مثّلت مرحلة الستين عاما من حكم النظام السابق، بنسختيه، البوقيبية والبنعلية، عنوانا لما يصفه بعض المراقبين والحقوقيين بمرحلة "المواطنة المهدورة".

هل خرجت تونس بهذه الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، من قمقم "دولة الرعايا" إلى "دولة المواطنين"؟ هل يحصل التونسيون على شهادة "المواطنة" بعد أن رأت هذه الهيئة النور؟ هل يتحصّن المعتقلون والموقوفون والمسجونون، وأهاليهم الملتاعون بأقاصيص التعذيب والتنكيل في أبنائهم، بهذه الهيئة الوليدة؟ والسؤال المهمّ أيضا هو: هل تقدر "الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب"، على أن تقول لا، لمرحلة كاملة من التعذيب والقهر والعسف الذي عاشه التونسيون لنحو ستّة عقود؟

ستتاح للهيئة الجديدة، الأولى من نوعها في تونس والعالم العربي، والرابعة إفريقيا، ما لم يتاح لكثير من الهيئات الحقوقية في تاريخ تونس المعاصر، من صلاحيات وقوانين ملائمة، ودستور يؤطّر تحركاتها، ومناخات سياسية وحراك للمجتمع المدني مسند لها، وهامش استقلالية يجعلها بعيدة عن التجاذبات والاستقطابات السياسية والحزبية، بما يوفر لها إمكانية أن تفعل "شيئا ما" في وضع التعذيب والانتهاكات المخزية لحقوق المواطنين، في العديد من مخافر الشرطة ومراكز الإيقاف، وبعض السجون أيضا، وهي الوضعيات التي لم تتوقف حتى بعد الثورة، وإن قلّت ولو بشكل نسبي.

المطروح على الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، وفي أسرع وقت ممكن، ليس رصد الانتهاكات وإصدار بيانات التنديد أو التقارير السنوية أو الدورية في هذا المجال، كما تفعل منظمات حقوقية أخرى في الداخل والخارج، إنما دورها بالأساس، أن تضع الآليات والنصوص والثقافة اللازمة، لجعل التعذيب حالات فردية استثنائية، وليست عملا ممنهجا كما عاشه التونسيون طيلة عقود طويلة..

فهل تنزع الهيئة "الكرافاش" من أيدي الأمنيين والسجانين، وتمنحهم بدلا عنه، دليل احترام لإنسانية الإنسان، كعنوان للدولة الديمقراطية الجديدة في تونس؟

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"