بقلم : طارق الهاشمي الأحد 24-04-2016 الساعة 02:54 ص

شكرًا.. تركيا

طارق الهاشمي

يوم أمس انطلقت في إسطنبول فعاليات مهرجان "شكرا.. تركيا" والذي سيتواصل على مدى ثلاثة أيام في برنامج متنوع تشارك فيه الجالية العربية المقيمة في تركيا على تنوعها لتعلن عن امتنانها وشكرها لتركيا، رئيسا وحكومة وشعبا، اعترافا بالفضل وتعبيرا عن الوفاء وردا للجميل، وهو لا شك جميل لا يقدر بثمن، وهل هناك أغلى من الحرية والعيش الكريم وقد فقدتهما الملايين في أوطانها العربية بسبب القمع والاستبداد والتمييز وغياب العدالة، وعثرت عليها هنا في تركيا؟ التي اجتهدت بقدر ما تسمح به إمكاناتها وظروفها في تعويض اللاجئين المحرومين منهما في أوطانهم ودون مقابل. موقف ينطلق من مبادئ وقيم تميزت بها تركيا في عالم تطغى على سلوك دوله المصالح وحسابات الربح والخسارة، لهذا بات من الواجب أن نشكر تركيا وهو أقل ما ينبغي أن يقدمه المحرومون والمظلومون والمضطهدون.

إلى جانب الملايين من العرب، هناك سبعمائة ألف عراقي مهجر من عموم العراق فروا بعد أن تعذرت الحياة طلبا للسلامة والعيش الكريم احتضنتهم تركيا، ولم تسألهم إلى أي عرق ينتمون، أو بأي دين يدينون، أو إلى أي طائفة ينتسبون؟ إنما قالت لهم "ادخلوها بسلام آمنين". وهم اليوم يتقاسمون مع إخوانهم الترك لقمة العيش وحبة الدواء ومقاعد الدراسة، جنبا إلى جنب مع بقية المهجرين من إخوانهم العرب المفجوعين بحكامهم وأنظمتهم، الذين جمعتهم مصائب تنهد منها الجبال وتشيب لهولها الولدان، وانقطعت بهم السبل وأعيتهم الحيل، وتلفتوا ذات اليمين وذات الشمال، فلم يجدوا غير هذه البلاد تفتح أبوابها، وتنفق عليهم من قوت شعبها ما يزيد على ثلاثة مليارات دولار لتوفر لهم ما حرموا منه في أوطانهم. لقد أوفت تركيا بواجب الدين وبواجب التاريخ وبواجب الجوار، وتقدمت إلى العالم بتجربة إنسانية فريدة. نعم نجحت تركيا فيما فشل فيه الآخرون، ووفقت تركيا فيما تعثر فيه الآخرون، "فأي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا". لقد تأكد الآن الأمر للجميع بالفعل لا بالقول أو الادعاء الفارغ، وهناك الكثير من الدول صدعت رؤوسنا بحقوق الإنسان لكنها فشلت وتخلت في أول اختبار، وهكذا باتت مصداقية تركيا في الصدارة تعلو على غيرها في المبادئ والقيم وحقوق الإنسان ولا يعلو عليها أحد. ولهذا لا ينبغي أن يزايد عليها في هذا المجال وبعد الآن أحد.

هذا الموقف ليس جديدا على تركيا وقد خبرت دورها ونبل مقاصدها في العراق منذ عام 2004، ولن أنسى جهودها الحقيقية في لم شمل العراقيين حول الهوية الوطنية العراقية وتشجيعهم على التعايش المشترك بل ومساعدتهم في التصدي للفتنة الطائفية لعن الله من أيقظها، والتي مزقت نسيجنا الاجتماعي بعد أن ظل متماسكا على مدى قرون من الزمن. لقد سجلت تركيا موقفا مشرفا في إغاثة النازحين، وفي توفير المئات من المنح في الجامعات التركية سنويا وفي استقبال الجرحى ضحايا العنف والإرهاب ومعالجتهم على نفقتها. وهكذا تستكمل تركيا اليوم دورها النبيل في توفير فرص الحياة الحرة والكريمة وتستقبل الملايين من المهجرين وتناديهم بألطف عبارة وأجمل اسم، فتقول لهم "أنتم أيها المهاجرون ضيوف، ونحن لكم أهل وأنصار"، مستلهمة بذلك مضامين الهجرة النبوية الشريفة، سعيدة مسرورة بهذا التشريف الرباني. حقا إنه التاريخ يعيد نفسه، موجات من المهاجرين تضطر للفرار بدينها وتهجر أوطانها قسرا وتلجأ إلى تركيا، إلى شعب الأنصار، بارك الله في الأنصار والمهاجرة. وهكذا في إطار هذا الخلق الإسلامي الرفيع تمتثل تركيا بقول الله عز وجل: "والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" (9- الحشر)، وتعمل بالحديث الشريف: "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا"، و"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".

الشكر على المعروف فرض وواجب، ولكنه لا يكفي حتى يترجم هذا الشكر واقعا على الأرض، يجب أن نجتهد في أن نكون عونا لا عبئا، وأن يكون وجودنا على أرض تركيا سهلا لا صعبا، إن رد الجميل يتحقق في الانضباط وحسن السلوك في مراعاة القوانين والأنظمة والتكيف مع نمط الحياة، وعلينا أن نتذكر دوما أن تركيا مستهدفة من قوى الإرهاب والشر والاستبداد، تركيا مغضوب عليها لأنها فتحت الأبواب أمامنا واستقبلتنا وحمتنا، تركيا باتت قلعة للمظلومين والمحرومين والمضطهدين، ولسان حالهم ومحط آمالهم. لهذا ينبغي أن نكون عين تركيا الساهرة على الأمن، يد تركيا التي تحرك الاقتصاد، وفكر تركيا الذي يصنع الريادة والتقدم والابتكار، هذا هو البدل المطلوب.

سنعود يوما إلى أوطاننا مرفوعي الرؤوس لأننا على الحق، شامخين بقاماتنا وإرثنا ومواقفنا ونهجنا رغم أنف الظلمة والفاسدين والمستبدين طال الزمن أو قصر، جولة الظلم ساعة ودولة العدل إلى قيام الساعة وسيعلم الذين ظلموا لمن عقبى الدار، وعندها سنتذكر هذه الأيام الجميلة التي قضيناها في ربوع تركيا الطيبة، بشعبها الكريم المعطاء ومن الوفاء أن يتواصل دعاؤنا لتركيا جيلا بعد جيل. رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات.

في الختام، يأخذ البعض على الهاشمي انحيازه لتركيا، وفي هذا يصدقون وليس عندي ما أخفيه أو أتنصل منه، بل هو تزكية لموقفي أن تكون خياراتي موضوعية وليست عاطفية أو مصلحية، عندما أهوى دولة صديقة شقيقة لا لمصلحة شخصية بل أهواها لأنها ساعدت بلدي -ولا تزال- في تدارك آثار الغزو، في ضمان عراق حضاري موحد يتسع للجميع، أهواها لقيمها، لنواياها الطيبة، لأياديها البيضاء، لوقوفها بحزم وجرأة مع المظلومين والمحرومين، لحرصها ودأبها في صناعة نموذج للحياة فريد، وبالطبع لاعتزازها بإرثها وتاريخها وثقافتها الذي هو جزء أصيل في تاريخنا وإرثنا وحضارتنا. ولو كان انطباعي غير ذلك إذا لتغير الموقف. ولو سعى الآخرون كما سعت تركيا لكان موقفي منهم مشابها. ولهذا فإن هواي لا ينحصر في تركيا بل يمتد لدولة قطر وربما مستقبلا لغيرها.

من جهة أخرى، أجد هذه الفعالية فريدة في نوعها، إذ حسب علمي لم يسبقها بل ربما حتى لم يفكر بها أحد، لكن الجالية العربية ذات خيال واسع تفتقت أذهانها لتكريم تركيا إزاء موقف إنساني كبير قل نظيره في الكلفة والجهد والتوقيت، وبالتالي بينما كانت الجالية جديرة بهذا الكرم والسخاء بسبب ما وقع عليها من ظلم وحرمان فإن تركيا جديرة بالشكر والثناء لأنها قدمت أفضل ما لديها عن أريحية وطيب خاطر، بل تقربا إلى الله سبحانه، احتفالية جاءت في زمانها لمن يستحق. شكرا للجالية... وشكرا لتركيا.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"