بقلم : شمسة البلوشي الخميس 05-05-2016 الساعة 02:12 ص

حتى لو تجاوزت التسعين!

شمسة البلوشي

في جامعة هارفارد، سأل الأستاذ الجامعي طلابه الذين اقترب عددهم من المائة، عما إذا كانوا يملكون أهدافاً في حياتهم، فأجابه ثلاثة فقط بـ (نعم )، أما الباقون فلم يكن لهم أهداف في حياتهم، وبعد مضي قرابة الخمس عشرة سنة وُجِد أن هؤلاء الثلاثة يملكون مناصب قيادية رفيعة ودخلاً يوازي رواتب الـ 97 الباقين!

تُرى نحن من أي الفئتين؟ هل نحن ممن عرف هدفه في الحياة، فرسمه بعنايةٍ وخطط له جيداً، ثم سار بخطى ثابتة حتى وصل لمبتغاه، أم أنه استسلم لطواحين الهواء فارتضى أن يكون (ريشةً في مهب الريح) تتقاذفه يمنةً ويسرةً، وهو يستجيب لها طواعية مردداً ما يردده الناس ضعفاء الحيلة: (اتركها للأيام، مكتوب على الجبين، حالنا كحال الناس، ما باليد حيلة، مد رجليك على قد لحافك ... ) وما شابه من عبارات العجز والتعجيز !

إنني والله لا أحزن على جيل مضى لم يُحسن وضع أهدافه والتخطيط لتحقيقها، ولكني أحزن كثيراً على آباء لم يجلسوا جلسة مصارحة مع أبنائهم، واشتركوا معهم في وضع أهدافهم المستقبلية بما يتفق وما حباهم الله من قدرات ومهارات هي المؤشر المعين لحياةٍ مستقبلية تنتظرهم فيها طموح وإنجاز لعمارة الأرض لأنه الخليفة فيها.

نحن لا نكتب أقدارنا! نعم هذا صحيح، ولكن بإمكاننا أن نصنع مستقبلنا، أن لا نسير باتجاه غامض في الحياة، حتى لو احدودب الظهر وارتجفت اليدان ضعفاً واشتعل الرأس شيباً فلا تكون هذه الظواهر عائقاً! يُذكر أن العازف الأسباني الشهير "بابلو كازالس" أنه كان يتدرب لمدة ست ساعات يومياً وهو في الخامسة والتسعين من عمره، فلما رأى العجب في عيون من حوله قال: أعتقد أنني أتطور في كل يوم!

في البلاد العربية إذا وصل الرجل إلى مشارف الستين داهمته الهموم والمخاوف بقرب رحيله عن الدنيا، فيتوقف نشاطه وتقل همته وعزيمته ويتلاشى التفاؤل من حياته اليومية، يبيت يسترجع شريط كفاحه الماضية وليس شريط ذكرياته الجميلة، ويبدأ في لوم أبنائه بعدم اهتمامهم به، وهو الذي ضحَّى من أجلهم الكثير الكثير، متناسياً أن هذه هي سنة الحياة، فالصغار يكبرون ويشقون حياتهم في الدنيا، والكبار أيضاً يكبرون، ولكن ليس من الحكمة أن يستسلموا، ولقد أشار النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى هذه العزيمة المستمرة في حياة الفرد المسلم حتى لحظاته الأخيرة ( إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها) إشارةً إلى الاستمرار في العمل والعطاء.

عندما بلغ الكاتب الشهير (خورخ لويس) الخامسة والثمانين من عمره عرف سر السعادة في الحياة، فكان يكرر: لو تسنى لي أن أعيش حياتي مرةً ثانية لجعلت للأخطاء في حياتي نصيباً أكبر من نصيبها في حياتي الأولى، ولما أخذت كل أموري محمل الجد، ولمتعت ناظري بمشهد الغروب، وكم كنت سألعب مع الصغار وأشارك الطير في تغريدها، هذا ماكنت سأفعله لو كان طريق الحياة في أولها ... ولكن!

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"