بقلم : صالح عطية الإثنين 09-05-2016 الساعة 01:56 ص

سيناريوهات الصراع على الحكم في تونس

صالح عطية

رغم ما يبدو من هدوء في سطح المشهد السياسي بتونس، بسبب "التوافقات" التي ميّزت فترة ما بعد انتخابات 2014، فإن الصراع على الحكم، لا يزال يتمركز في الحديقة الخلفية للأحزاب والمؤسسات وبعض العائلات السياسية.

وتمظهر هذا الصراع الذي أطلّ برأسه أخيرا في أشكال مختلفة، تارة عبر دعوات ومحاولات لتغيير طبيعة النظام السياسي، وطورا من خلال السعي لتفكيك الائتلاف الحاكم، وإعادة صياغة مكونات الحكم على نحو جديد.

وكشفت الأيام القليلة الماضية، عن سيناريوهات عديدة في هذا السايق، كان يجري التخطيط لها بشكل علني حينا، وبصورة سرية أحيانا أخرى، ومن بين هذه السيناريوهات:

** الدعوة إلى تشكيل مجلس أعلى للدولة، يضم الرئاسات الثلاث (رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب)، يتولى قيادة البلاد، بزعامة السيد الباجي قايد السبسي.

وكان محسن مرزوق، رئيس حزب "مشروع تونس"، قدم هذا المقترح أخيرا إلى رئيس الجمهورية، في محاولة لإحداث تغيير في مكونات الحكم، يتم بموجبه، إقصاء حركة النهضة من دواليب صنع القرار السياسي وإدارة الحكم.

** مسعى حثيث صلب البرلمان، قام به نواب من عدّة كتل وأحزاب، لتأسيس جبهة برلمانية من 140 نائبا، سميت بـ"كتلة الجمهورية"، الهدف منها، إضعاف التحالف القائم بين حركة نداء تونس وحركة النهضة (الحزبين اللذين يمثلان أغلبية برلمانية مريحة)، وتشكيل بديل برلماني جديد، من شأنه تغيير بنية موازين القوى صلب البرلمان، باتجاه الاعتماد على توازنات جديدة، تكون فيها الأحزاب اليسارية والليبرالية وجزء من "حركة نداء تونس" ولفيف من منظومة الحكم القديمة، القوة الجديدة المهيمنة على البرلمان، والأداة بين يدي رئيس الجمهورية، بمشروعية دستورية وقانونية واضحة، يظهر فيها رئيس الدولة، بمعزل عن هذا الصراع.

** سيناريو تغيير رئيس مجلس نواب الشعب، بداعي ضعف أدائه وعدم سيطرته على البرلمان، وبطء أشغاله التي تواجه انتقادات من المعارضة كما من الائتلاف الحاكم ذاته..وتهدف الدعوة إلى تغيير رئيس مجلس نواب الشعب، إلى إحداث صراع صلب الائتلاف الحاكم، وزعزعة الثقة في مكوناته، وإجباره على التفكير في تغيير المسؤول الأول عن البرلمان، تمهيدا لتغيير رئيس الحكومة الذي يعدّ مطلبا رئيسا للمعارضة منذ عدة أسابيع.

وتزامنت هذه التطورات، مع دعوات من أطراف سياسية وحزبية وإعلامية عديدة، بتعديل الدستور باتجاه نظام رئاسي، بدلا من النظام البرلماني المعدّل، بما يعطي أوفر الصلاحيات لرئيس الدولة..وهو ما اعتبرته أوساط سياسية وبرلمانية عديدة، "خطّ أحمر"، بل وصفته بعض الأحزاب من داخل الحكم ومن خارجه، بـ"محاولة الانقلاب على مسار الانتقال الديمقراطي"، سيما وأن النظام البرلماني المعدّل جاء إثر عملية توافقية طويلة ومعقّدة، بغاية القطع النهائي مع منطق الإنفراد بالسلطة، أو إعادة إنتاج الاستبداد من جديد.

والحقيقة، أن هذه السيناريوهات، جاءت إثر ظهور تباينات معلنة بين بعض مكونات الائتلاف الحاكم، على خلفية التصويت لقانون البنك المركزي، حيث وجد الائتلاف الحاكم نفسه لأول مرّة أمام "أزمة الأغلبية"، ولم يمرّ التصديق على القانون إلا بفارق صوت واحد، رغم أنه القانون الذي تعوّل عليه الحكومة لجلب استثمارات ومساعدات دولية لإنشاء بنية أساسية ضخمة في البلاد، تتيح التشغيل وتحريك الاقتصاد المعطّل.

وأسهمت عملية التصويت المنقوصة في التشكيك في وحدة الائتلاف الحاكم.

لم يردّ الائتلاف الحاكم على هذه المحاولات بشكل رسمي، أما حركة النهضة التي كانت معنية بهذه المحاولات، فقد قفزت سياسيا لتدعو بوضوح إلى "طيّ صفحة الماضي وإعلان مصالحة وطنية شاملة"، مع رموز النظام القديم، في محاولة للالتفاف على مساعي الانقلاب على الائتلاف الحاكم، ما وضع البلاد في سياق جدل قديم جديد، عنوانه الأساسي، هل نبني مصالحة وطنية بالسياسة، أم بواسطة العدالة الانتقالية؟

لا شكّ أن الوضع في تونس شديد الهشاشة، فالائتلاف يعاني من أزمة داخله، وعلاقة رئيس الجمهورية برئيس الحكومة، محل جدل لم ينته، والمعارضة ضعيفة ومشتتة، والنخب باتت جزءا من اللوبيات المالية والدوائر الخارجية، والخشية من بقاء النهضة واستمرارها في الحكم، مع اقتراب الانتخابات البلدية، لا يزال متواصلا، فيما يبدو التوافق بمثابة "ورقة الخلاص" لملفات عديدة، لا يبدو أن مستقبل الحكم في تونس، جزء منها على أي حال.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"