بقلم : وضحى بنت سلطان بن أحمد البادي الإثنين 16-05-2016 الساعة 02:10 ص

قطر بحاجة لوزارة الثقافة والسياحة والتراث

وضحى بنت سلطان بن أحمد البادي

دمج وزارة الثقافة والتراث ووزارة الرياضة والشباب لا يخدم مصالح قطر كقوة ناعمة

يجب تصحيح الصورة المغلوطة بقصد أو بدون قصد عن دولة قطر وعن هويتنا وتراثنا بعيداً عن معترك السياسة والاقتصاد

علام "سَيُلَّحِق" الوزير؟ على الفعاليات الرياضية أم الثقافية؟ على التمثيل الخارجي أم الحضور المحلي؟

أصدر سمو الأميرالمفدى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الشاب الحكيم ذو النظرة الاستشرافية، خليفة أمير المجد حمد -حفظهما الله- مطلع هذا العام أمراً بتعديل مجلس الوزراء تضمن دمج عدد من الوزارات ذات الصِّلة في خطوة موفقة لترشيد الاستهلاك ونبذ الازدواجية من جهة وكردة فعل ذكية لتدهور أسعار النفط من جهة أخرى.

ولكني أود أن أبدي وجهة نظري المتواضعة من منطلق ميولي الثقافية واهتمامي بالتراث والمتاحف والحضارات الإنسانية وحرصي على صورة قطر وشعبها أمام العالم. كما أُدَّعِم وجهة نظري بتحليلي للانطباع المتأصل عند الكثير من الأجانب عنا من خلال حديثي معهم في أسفاري أو أثناء الدراسة أو عبر مشاهدة قنواتهم وبنتائج دراسة كلفنا بها في الفوج الأول للقيادات الصاعدة.

فأنا أجد أن دمج وزارة الثقافة والتراث ووزارة الرياضة والشباب لا يخدم مصالح قطر كقوة ناعمة ولا يعزز المكانة الدولية التي تبوأتها، حيث أصبحنا الشغل الشاغل للإعلام العالمي ومحط أنظار العالم أجمع بلا مبالغة. إن هاتين الوزارتين تحديداً هما الأهم للحكومة القطرية حاضراً، فجميعنا يعلم زخم الروزنامة الرياضية القطرية ويعي الحاجة لاستقلالها بوزارة مختصة. من الصعب ضم مسؤوليات ومهام هاتين الوزارتين الحيويتين اللتين تقع على عاتقهما مسؤوليات جِسَام من تمثيل الدولة في الفعاليات العالمية المستمرة طوال العام إلى تصحيح الصورة المغلوطة -بقصد أو بدون قصد- عن دولة قطر وعن هويتنا وتراثنا بعيداً عن معترك السياسة والاقتصاد.

وعلام "سَيُلَّحِق" الوزير؟ على الفعاليات الرياضية أم الثقافية؟ على التمثيل الخارجي أو الحضور المحلي؟ هل سينظر سعادته في أحوال المثقفين وهمومهم أم سيدرس قضايا الرياضيين المختلفة جملةً وتفصيلاً! فالثقافة شأن مستقل له خصوصياته الحساسة ولا يمكن توحيد أمورها مع الرياضة. ثم يُتهم الوزير ظلماً بالتقصير في الحضور أو بالتركيز على جانب وإهمال الآخر، يقول -سبحانه- "ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه" ولا أشكك في أداء سعادة الوزير صلاح بن غانم العلي، فهو -وإنجازاته تشهد- من خيرة الرجال، ولم يقصر ولم يهمل أي فئة تحت مظلة وزارته، ولكني أتكلم عن دمج الوزارتين بصورة عامة وعن صفة وزير الثقافة والرياضة وليس عن شخص سعادته الذي هو قدوة في المهنية.

في وجهة نظري لابد من استعادة وزارة الثقافة في الحكومة القطرية، ولكن بمسمى جديد ومضمون أعم وأشمل، ليصبح مسمى الوزارة "وزارة الثقافة والسياحة والتراث". أجد أن هيكل الوزارة يحتاج للتوسيع ليضم تحت مظلته كافة الجهات المعنية بتراث وحضارة وهوية الدولة، ولعل أبرز هذه الجهات: هيئة متاحف قطر وهيئة السياحة ومركز التراث والهوية وإدارة سوق واقف. فإن لم شمل هذه الجهات ذات الفحوى والسمات المشتركة سيحقق نفعاً جماً وسيمنع الازدواجية -أو التعددية- فيما يخص صورة وهوية دولة قطر والمواطن القطري كما وسيقي من اللَبس والدخائل على عناصر ومكونات تراثنا.

كان لي شرف الاختيار ضمن الفوج الأول بمركز قطر للقيادات، حيث قسمنا إلى مجموعات للعمل على المشروع النهائي. المشاريع كانت عبارة عن دراسة عدد من التحديات لرؤية قطر ٢٠٣٠ ووضع التوصيات المناسبة، وقد وقع على عاتق فريقي الذي انتخبني الإخوة والأخوات الأفاضل فيه لقيادته لإنجاز المشروع، دراسة تحدي "الحفاظ على الهوية القطرية والتقاليد". المهم أنه خلال الدراسة لاحظنا تعدد الجهات المعنية بالتراث والثقافة، طبعاً وزارة الثقافة والفنون والتراث كانت أبرزها ولكن في المقابل وجدنا أيضاً على مسرح الأحداث لاعبين كبارا آخرين منهم: هيئة متاحف قطر، هيئة السياحة، مركز قطر للتراث والهوية، سوق واقف، كتارا! فكان منهكاً لفريق العمل التوجه لكل من هذه المؤسسات على حدة والحصول على المواعيد وعمل مقابلة مع كل مسؤول وفي النهاية يكون الكلام مكرراً!.

ماذا لو جاء باحث أجنبي ليكتب عن تراث قطر، خصوصاً مع سطوع نجمها كقوة ناعمة ومنارة لاستضافة أحداث عالمية كبرى، إلى أين سيتوجه وكم من الوقت سيلزمه لينجز بحثاً منطقياً عن هويتنا وتراثنا! وماذا لو أقيم حدث عالمي يخص التراث فلمن ستوجه الدعوة؟ وعلى سبيل المثال لو ستشارك وزارة -ولتكن الاقتصاد- في معرض تجاري وأرادوا أخذ بعض الكتيبات عن قطر لإهدائها للمشاركين الأجانب، فمن أين سيحصلون على المطبوعات التثقيفية؟ من مركز التراث أو وزارة الثقافة ولا هيئة المتاحف أو... والمؤسف ومن أوجه الهدر التي يمكن تفاديها - سواء هدر الجهد أو المال أو الوقت- أن لكل من هذه الجهات مطبوعات تصدر عنها، تعددت أشكالها ومضمونها واحد.

وأثناء عملنا بالمشروع صادف أيضاً أن طرح مركز قطر للتراث والهوية ورشة حول الرواية الشعبية، ومن الطرائف أن إحدى إدارات وزارة الثقافة طرحت بعدها بأسابيع قليلة نفس الورشة تماماً، ولكنها على ما أذكر تحت مسمى "ندوة الرواية الشعبية"! ثم -مثلا- إذا طالعنا كتيبا عن المأكولات الشعبية القطرية فسنجد حتماً اختلافاً في المسميات وعناصر أخرى في إصدار كل مؤسسة لأن فرق العمل مختلفة.

إذاً ضم هذه الجهات في وزارة مستقلة "وزارة الثقافة والسياحة والتراث" بات ضرورياً لما في ذلك من ترشيد للموارد وتضافر للجهود لتوحيد الرؤية والأهداف والرسالة وصورتنا في المحافل العالمية المختلفة، فدولة قطر تحت المجهر لبروزها كقوة ناعمة وكوجهة سياحية مما يستدعي انتقاء الصورة التي نُصَدِرها عنا والحرص على تكوين انطباع إيجابي عند من يزورنا، فهناك الكثير من الأفكار المغلوطة عن ثقافتنا وعن المرأة القطرية ومكانتها.

ويمكن ضم هذه الجهات في شكل إدارات مستقلة تتمتع بصلاحيات عمل كبيرة، بهدف تشجيع الابتكار وكسر البيروقراطية وهو أمر محبذ في مجال الثقافة والفنون، ويمكن حتى أن يكون لكل إدارة شعارها تحت الشعار الرئيسي للوزارة وتحت الإدارة اللامركزية العليا للوزارة التي في النهاية ستضمن توحيد المضمون والصورة الكبيرة وإن اختلف الشكل من إدارة لأخرى، وهنا تجدر الإشارة إلى حسن اختيار وزير ويفضل وزيرة من الجيل الحديث الداعم لمثل هذا المنهج، وتَكُون عالية الثقافة والتأهيل لتبرز بشخصيتها الجوانب المشرفة لهويتنا وما وصلت له المرأة القطرية من علم وانفتاح على العالم، مع حفاظها على تقاليدها التي تفخر بها والتي لم ولن تكون عائقاً لتطورها. وتتمتع بحس فني يؤهلها للتحاور في هذا المجال، وملمة بثقافات الشعوب واهتماماتهم لتخاطبهم عن تراثنا باللغة الأقرب إلى قلوبهم، وتَكُون مهتمة بالمشاركة بل مبادرة لعمل معارض وندوات تتحدث فيها وتبرز من خلالها تقاليدنا العريقة وثقافتنا المستنيرة، والله الموفق.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"