بقلم : خالد عبدالحليم الثلاثاء 24-05-2016 الساعة 01:13 ص

"سايكس بيكو" ثقافية جديدة!

خالد عبدالحليم

تجزئة العالم العربي وتقسيمه وتمزيقه وتقزيمه كانت ثمرة لاتفاقية "سايكس بيكو" تتويجًا لجهود امتدت عدة قرون منذ حقبة الحروب الصليبية، فالدولتان المختلفتان المتنافستان المتحاربتان اتفقتا ـ في مثل هذا الشهر مايو من عام 1916، أي قبل مائة عام بالضبط ـ في الإجهاز على "الرجل المريض"، وهو الاصطلاح الذي جرت به الأقلام في الأدبيات الغربية وصفا للإمبراطورية الإسلامية العثمانية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حيث تآمرت بريطانيا وفرنسا بموجب هذا الاتفاق (السري حينها) بين مندوب الأولى "مارك سايكس" ومندوب الثانية "جورج بيكو" وبمباركة روسيا القيصرية على تقسيم المشرق العربي بينهما، بحيث تسيطر بريطانيا على العراق ومنطقة الخليج العربي، فيما تسيطر فرنسا على سوريا ولبنان.

وكانت هذه الاتفاقية ذاتها تمهيدا لوعد بلفور في العام التالي مباشرة 1917 الذي تجسد في رسالة وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور إلى روتشليد أحد زعماء الحركة الصهيونية التي قطعت فيها حكومته وعدا لليهود بإقامة كيان لهم في فلسطين، وتوالت منذ ذلك الحين ونشطت الهجرات اليهودية من الدول الغربية إلى فلسطين بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولم تكن صدفة أن يتم الإعلان عن قيام دولة الكيان الصهيوني في مايو 1948، أي في نفس الشهر الذي تم التوقيع فيه على الاتفاقية، لتبدأ موجة هجرة يهودية جديدة لشرعنة الكيان الجديد، ولكن هذه المرة لم تكن الهجرة من الدول الغربية فقط ، بل من الدول العربية أيضا عقب حرب فلسطين، وهو ما أشرنا إليه في مقالنا الثلاثاء الماضي "النكبة وهجرة اليهود".

ويبدو أن العالم الغربي يرغب في الاحتفال بمئوية سايكس بيكو، بتنفيذ مرحلتها الثانية بإجراء مزيد من تجزئة المجزأ وتقسيم المقسم وتفتيت المفتت في العالم العربي، مستفيدا في ذلك من المشاكل الحدودية التي خلفها قبل أن يطوي ملف الحقبة الاستعمارية العسكرية المباشرة على الأرض، ليحل محلها الاستعمار عبر بث الفتن والخلافات وسياسة فرق تسد، وعبر الخيانات وشراء الذمم والولاءات، وعبر زرع تنظيمات استخبارية عسكرية مسلحة على غرار داعش، وعبر الترويج لحرب ثقافية على خلفية مذهبية وإثنية وعرقية وطائفية، وعبر هذه الآليات الثقافية الجديدة نلمح تنفيذا متسارعا لدلالة العبارة الخبيثة التي أطلقها الكاتب والصحفي الأمريكي اليهودي المعروف توماس فريدمان قبل بضع سنوات: "إن الدول العربية هي مجموعة من القبائل بأعلام مختلفة"، حيث يجري تنفيذها على الأرض".. فهل نستفيق أم نصبح من الرقيق ؟!

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"