بقلم : طارق الزمر السبت 28-05-2016 الساعة 01:15 ص

من المسؤول عن صدام الغرب والشرق؟

طارق الزمر

يجب أن نعترف بنجاح العديد من مراكز القرار والتفكير الغربي في أن تضع الإسلام والمسلمين والعالم الإسلامي في موقع وموقف لا يحسدون عليه، فقد تم تشويه الإسلام وتبشيع الشخصية المسلمة وتوحيد العالم كله للوقوف في وجه هذا الخطر الكبير والتصدي لهذا الوحش الكاسر، ومن ثمّ فقد تم تبرير كل أشكال العدوان على العالم الإسلامي وتحويله لساحة مفتوحة للقتل والتدمير وكأنها الوسيلة الوحيدة لتأمين العالم من هذا الخطر الداهم وحمايته من هذا الشر المستطير!! وفي هذا الإطار يأتي بعض الانتهازيين والموتورين والمحسوبين على العالم الإسلامي ليتحدث عن خطر المليار ونصف المليار مسلم على العالم والحضارة الإنسانية!!

والحقيقة أن كل ذلك هو افتراء مقصود وتشويه متعمد يحمل أهدافًا سياسية ويهدف لتبرير العدوان على منطقتنا وتحقيق مصالح إستراتيجية معروفة.. ولأننا دعاة حوار وأصحاب حضارة علمتنا التعايش مع الحضارات الأخرى والعمل على بناء نظام عالمي يسوده السلام والعدل فيجب أن نتصدى لهذا التشويه المتعمد ونفكك أهدافه ونكشف أسبابه فهو سبيلنا في التعامل مع العقلاء هناك وتبصير شعوبهم المغلوبة على أمرها بالصراع المفتوح الذي يجري فرضه ويجري وضعها في أتونه بلا سبب ودون مصلحة سوى مصلحة نخب متنفذة في الغرب لا تجد سبيلا لحماية مصالحها أفضل من هذه الحروب المفتعلة.

وهذا التصور إنما هو امتداد لحالة عامة تتملك مراكز القرار في الغرب، ويعبر عن تاريخ طويل من الكراهية بدأ مع ظهور الإسلام، وهذا ما عبر عنه القائد الإنجليزي جلوب (1897- 1986) الذي قال: "إن تاريخ مشكلة الشرق الأوسط إنما تعود إلى القرن السابع الميلادي" أي منذ ظهور الإسلام.

وذلك ببساطة لأن الإسلام قد استطاع أن يغيّر خريطة هذا الشرق ويخرجه من حقب الاستعباد الإغريقي والروماني والصليبي فضلًا عن أن الإسلام قدم عقيدة التوحيد التي أزعجت العقائد السائدة آنذاك، كما أن صياغتها البسيطة وبنائها المعجز قد تعامل مع فطرة الناس في سهولة ويسر، واخترق عقولهم في بساطة ورسوخ.. وهكذا أصبح الإسلام عدوا عقائديا فضلا عن كونه عدوا سياسيا وإستراتيجيا.

لقد استطاع الإسلام والمد الإسلامي أن يوقفا المد الغربي بل ويهددانه في أهم معاقله.. كما أن أوروبا كانت تنظر لنفسها نظرة عنصرية على أساس وراثتها للتراث اليوناني والروماني ومن ثم فإنها – بطبيعتها – تحتقر الأجناس الأخرى ولاسيَّما الشرقي منها.

لهذا جاء رد الفعل الأوروبي على هذا الحضور الإسلامي بشكل عدواني انفعالي.. فلم تكن أوروبا قد كوّنت - بعد - أي رؤية نقدية أو تصور فكري أو فلسفي للتعامل مع الهجوم الأيديولوجي الإسلامي، فكانت الحروب الصليبية تعبيرًا عن لجوء حاد للعنف بسبب غياب الحجة، أو عدم القدرة على الوقوف العلمي أمام حجة الإسلام ومفاهيمه النشطة والمتفاعلة.. كما كانت تعبيرًا حرفيًّا عن هزيمة فكرية وإستراتيجية استدعت كل هذا المخزون العدواني ومن هنا يقول دكتور كرين أرمسترونج:"لقد كان القرن الحادي عشر الميلادي هو بداية أوروبا الجديدة، وكانت الحملات الصليبية بمثابة أول رد فعل جماعي تقوم به أوروبا الجديدة "!! والدارس لمكونات هذا الرد ودوافعه الأساسية، لن يعدم قدرا غير يسير من الكراهية، ولن يجد رؤية واعية أو عقلا حاضرا، لهذا لم يجد "أوريان الثاني" مفجر الحروب الصليبية 1095م ما يقوله سوى:"أيها الجنود اذهبوا وخلصوا البلاد المقدسة من أيدي الأشرار، اذهبوا واغسلوا أيديكم بدماء أولئك المسلمين الكفار"!!

كما انطلقت الحملات الصليبية ومن خلفها عملية شحن كبرى، لم يكن لها سند علمي أو فكري إلا الملاحم التي كانت أحد أهم المسببات الرئيسية لشنها، ففي ملحمة رولاند (عام 1100م) نجد الإمبراطور ينادي جنوده كي يذبحوا المسلمين فيقول:"انظروا إلى هذا الشعب الملعون إنه شعب ملحد، لا علاقة له بـالله، سوف يمحى اسمه من فوق الأرض الزاخرة بالحياة، لأنهم يعبدون الأصنام، لا يمكن أن يكون لهم خلاص، لقد حكم عليهم، فلنبدأ إذن بتنفيذ الحكم، باسم الله، ثم تبدأ المذبحة"!!

لقد جاءت الحملات الصليبية إلى الشرق الإسلامي، محملة بطاقة عدوانية تجاه الآخر، أذهلت المسلمين الذين لم يكونوا قد عرفوا هذا النوع من العدوان أو الكراهية حتى في حروبهم مع أعدائهم.

فعندما حاصر الصليبيون "معرة النعمان" بسوريا حتى استسلم أهلها، بعد أن أخذوا العهود على حمايتهم، وحماية أموالهم وأعراضهم إذا بالصليبيين يقتلون الرجال والنساء والأطفال، وبلغ عدد القتلى مائة ألف قتيل، ولما وصلوا إلى بيت المقدس حاصروا أهله، ولما طلبوا الأمان أعطاهم قائد الصليبيين – الملك الإنجليزي ريتشارد قلب الأسد – رايته كي يرفعونها على المسجد الأقصى ويلجأون إليه آمنين.. فما إن دخل الصليبيون المدينة (1099م/493ﮬ) حتى أعملوا القتل والذبح، ولم يرحموا من دخل من المسلمين المسجد، حتى بلغت الدماء ركبة الفارس منهم، وامتلأت الشوارع بالجماجم المحطمة والأشلاء الممزقة، وبلغ عدد القتلى سبعين ألفا، بل إن جماجم القتلى لو جمعت لبلغ ارتفاعها أعلى من أسوار المدينة.

وفي "دمياط" نجد حرصا شديدا على سفك الدماء واغتصاب النساء وتحويل المساجد إلى كنائس، فلا مكان للمسجد إذا كانت الغلبة للصليبيين كما قاموا بتنصير الأطفال بعد أن فشلوا مع الكبار، وطبعا فقد كان ذلك على وجه الإكراه والإجبار.

ورغم استمرار هذا الهجوم العدواني، المحمل بأبشع أساليب الحروب، لما يقرب من قرنين من الزمان، إلا أنه رد خائبا محملا بالإحباط واليأس من إمكانية هزيمة هذه الأمة.

ولقد كان من نتائج هذا الاحتكاك المبكر بين الغرب والإسلام، أن اكتشف الغرب أنه يواجه أمة فتية تمتلك كل عناصر القوة وعوامل الاستمرار، وأنها تعبر عن حضارة كبرى، وإن تناقضت مع طبيعة حضارته.. وهكذا كان العمل على الاستفادة من عناصر قوة الأمة مع العمل - أيضا - على التجهيز للصدام معها، بهدف إقصائها عن طريق هيمنة الغرب.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"