بقلم : طارق الزمر الأربعاء 08-06-2016 الساعة 01:32 ص

العدوان الغربي على العالم الإسلامي

طارق الزمر

في إطار كشفنا لمدى الجناية على العالم الإسلامي الذي يتهم اليوم غربيا بالعدوانية والإرهاب، لابد أن نقف أمام حقبة الكشوف الجغرافية التي أعقبت عدوان الحروب الصليبية ثم حقبة الاستعمار الحديث.

فقد جاءت "الكشوف الجغرافية" لتكون بمثابة العدوان الغربي الثاني على العالم الإسلامي، والتي كانت امتدادًا حقيقيا للحروب الصليبية فقد ظل هاجس هذه الحروب جاثما على أذهان أوروبا طوال القرون، فكان كل بابا للكنيسة أو ملك جديد يؤكد شرعيته بإعلان الدعوة للإعداد لحرب صليبية جديدة.. وعندما أخرج "فرديناند" و "إيزابيلا" المسلمين من إسبانيا، كانت أسطورة الحروب الصليبية لا تزال مسيطرة على الأذهان، ولهذا كانت محاكم التفتيش والتطهير العرقي والديني لإسبانيا الكاثوليكية.

وفي السياق الصليبي ذاته، جاء البحث عن طريق رأس الرجاء الصالح لمحاصرة الدولة العثمانية، وانتزاع السيطرة على التجارة الدولية من أيدي المسلمين، وإحكام سيطرة أوروبا عليها كما فرض هذا السياق الصليبي نفسه على العالم الجديد، فلم تتمكن أوروبا من غزو القارة الأمريكية إلا تحت راية الصليب، وهكذا انطلقت الكشوف الجغرافية، وكان من أهم أهدافها محاصرة الدولة الإسلامية – العثمانية آنذاك – اقتصاديا واستراتيجيا، كما كان ذلك – أيضا - محاولة لتدارك فشل الحروب الصليبية، والعمل على تحقيق أهدافها من خلال إدارة جديدة للصراع مع الإسلام، كما كانت تهدف إلى تحقيق الثراء الذي كانت أوروبا في أمسِّ الحاجة إليه.

وما إن استكملت أوروبا نهضتها، وأنجزت ثورتها الصناعية، حتى عادت من جديد تتوجه "بحملاتها الاستعمارية" – والصليبية أيضا – للشرق الإسلامي، فالانتقام من هذه المنطقة التي هددت نفوذ الغرب في العالم وارد.. والسيطرة عليها لمنع كل أسباب قوتها ونهضتها – ابتداءً من الدين وانتهاءً بالتقدم العلمي – وارد.. والاستحواذ على ثرواتها وفرض التخلف عليها وارد..وكذلك فرض تقسيم العمل الدولي الذي توجبه الثورة الصناعية، بجعلها فقط مصدرا للمواد الأولية وارد!!

وخلال كل ذلك كان الثأر من الإسلام واضحا، كما كان العمل على طمس هوية الأمة الثقافية والحضارية وتجريدها من كل عوامل نهضتها..بل والعمل على إعداد نخب جديدة تمثل المستعمر في قيادتها للمنطقة، والعمل على تفكيك المنطقة التي لم تكن لها حدود سياسية سوى حدود الدولة الإسلامية الكبرى وزرع إشكالات على حدودها واستنبات الأزمات بين أبنائها.

وليس أدل على أن الدين الإسلامي والحضور الإسلامي الشعبي كانا مستهدفين من تلك الحملات، من حرصها على إلغاء العمل بالشريعة في كل مكان حلت به، ففي مصر كان العمل على إلغاء الشريعة حاضرا في أول جلسة للمجمع العلمي الفرنسي بعد الاحتلال، وظلت محاولات نابليون مركزة تجاه تعديل النظام التشريعي والقضائي.. ولما جاءت بريطانيا المنافسة لفرنسا لم تختلف على ذات الهدف، لهذا فقد اشترطت في معاهدة "مونترو" مع الحكومة المصرية، ضرورة ألا تخالف القوانين الجديدة في مصر القوانين الأوروبية!! وعلى النسق ذاته كان يعمل الاستعمار الأوروبي في كل بلاد العالم الإسلامي التي احتلها.

ولم يقف الاستعمار عند حد إسقاط حكم الشريعة وإلغاء العمل به، بل بذل جهدا حثيثا - أيضا - في سبيل نسف وتدمير أسس الحياة الاجتماعية الإسلامية، وهو ما يتضح بجلاء من رسالة نابليون إلى خليفته في مصر كليبر، حيث أمره أن يقبض على أعداد كبيرة من المماليك والعرب ومشايخ البلدان، وإرسالهم إلى فرنسا، يحتجزون فيها!! عاما أو عامين، يعتادون اللغة الفرنسية والحياة الغربية، ثم يعودون إلى مصر ليكونوا حزبا، ولم يفت نابليون أن يذكر كليبر أنه لم ينس طلبه بإرسال فرقة تمثيلية!! مؤكدًا على أهميتها في البدء في تغيير تقاليد البلاد!!

كما أن المراجعة التاريخية السريعة تكشف أن أهم المشكلات الاستراتيجية التي لا تزال تعاني منها الأمة.. حيث الصراع العربي الإسرائيلي، ترجع بالأساس إلى الاستعمار الغربي:

فعندما غزا نابليون (الكاثوليكي) مصر 1798م أصدر بيانا دعا فيه اليهود إلى مساعدته في حملته الاستعمارية على مصر وفلسطين وبلاد الشام مقابل مساعدتهم في العودة إلى فلسطين (أرض الميعاد!!).. كما كان يأمل في تجميع اليهود في فلسطين لعزل بلاد الشام عن مصر، ولكن اليهود آنذاك هم الذين رفضوا هذا العرض، لعدم إثارة حكام بلاد الشام وفلسطين، ثم جاءت بريطانيا (البروتستانتية) تستكمل الدور الأوروبي الهادف إلى توطين اليهود في فلسطين، فكانت الهجرات الاستيطانية إلى فلسطين (1882 - 1914م) وهو ما ساعدت عليه الدول الأوروبية بقوة.

الجدير بالذكر أن توطين اليهود في فلسطين قد حقق هدفين:

الأول: تخلص أوروبا من اليهود الذين كانوا يؤرقون المجتمع الأوروبي آنذاك ويتسببون في أزمات عديدة داخله.

الثاني: زرع بؤرة استيطانية حربية متقدمة في قلب الجسد الإسلامي، لتحقيق الأهداف الاستعمارية بالمنطقة.

ولعل ما سبق، يكشف أننا لم نكن يوما أمة معتدية، بقدر ما كنا أمة تتصدى للمؤامرات، وتقاوم عمليات العدوان المنهجي، هذه المقاومة التي أصبحت اليوم سندا مهما لاعتبارها أمة إرهابية، تتمتع بقدر عال من كراهية الآخر، وتعمل دوما للعدوان عليه!!

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"