بقلم : نعيم محمد عبد الغني الأربعاء 15-06-2016 الساعة 01:41 ص

الاختيار بين {ثم - و }

نعيم محمد عبد الغني

من مواطن المتشابهات في القرآن الكريم قوله تعالى: "متَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ" ال عمران: 197، حيث وردت بقية المواضع في القرآن الكريم، (ومأواهم جهنم) مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ).

بالنظر إلى سياقات الآيات التي ورد فيها التركيب (ومأواهم جهنم) مع قوله تعالى: (ثم مأواهم جهنم)، يتبين أن الآية التي وردت فيها ثم جاءت في سياق إمهال الكافرين، وهذا الإمهال عبر عنه بقوله تعالى قبل هذه الآية: (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد)، فتقلبهم في نعيم الدنيا ليس آية على انتصارهم، بل هو متعة قليلة زائلة جاءت من الله الذي يمهل ولا يهمل، وهذا الإمهال يوافقه دلاليا (ثم) التي تدل على التراخي، وقد ذكر الكرماني قريبا من هذا المعنى، إذ جعل أن الإمهال في لفظة (قليل)، ومن ثم جاءت (ثم) للمطابقة الدلالية انظر: من أسرار التكرار في القرآن، الكرماني 94 ، والذي يبدو لي – والله أعلم- أن الإمهال دل عليه أكثر من هذه اللفظة؛ فسياق الآيات يدل على هذا الإمهال فقبل هذه الآيات يتحدث الله عن ثواب المؤمنين الذين تضرعوا إلى الله بالدعاء، ثم بشرهم بالاستجابة، وأن هذا الثواب العظيم تهون في سبيله كل متاعب الدنيا التي عرضت سورة آل عمران بعضا منها لما حدث للمؤمنين في غزو أحد، ثم تأتي الصورة المقابلة للكفار الذين يمتعهم الله قليلا؛ إمهالا لهم، هذا الإمهال الذي تحدثت عنه آيات أخرى مستخدمة (ثم) في مثل قوله تعالى: (نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ)

وفي هذا الإمهال نوع من تسلية الله للمؤمنين، فعندما يقارنون متعتهم العظيمة الأبدية، بمتعة الكفار القليلة الزائلة، وعندما يقارن المؤمنون متاعبهم في الدنيا القليلة الزائلة في الدنيا مقابل عذاب الكفار العظيم الذي سيخلدون فيه، تهون عليهم هذه المتاعب وتلك المصاعب.

أما الآيات التي كان العطف فيها بالواو في تركيب (ومأواهم جهنم) فلم تأت في سياق الإمهال، بل وردت لتبين مآل هؤلاء الكفار، في سياقين: الأول سياق الجهاد، والثاني سياق مشهد القيامة، فأما سياق الجهاد فكان منه الأمر بالجهاد، مع الثقة بأن الله سيجعل مأوى هؤلاء الكفار النار كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أو في سياق الحديث عن فرار المنافقين من الجهاد؛ إذ لا فائدة من خروجهم؛ فهم لو خرجوا في المؤمنين فلن يزيدوهم إلا خبالا، ولأوضعوا بين المؤمنين لفتنتهم، وهم في الدرك الأسفل من النار لو ماتوا على نفاقهم، ومن ثم فعلى المؤمنين أن يقبلوا أعذار المنافقين إذا تخلفوا عن الجهاد، فمآلهم جهنم وبئس المهاد (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) التوبة 95.

والكفار والمنافقون لم يستجيبوا لأمر الله، ومن ثم فمآلهم إلى جهنم وجاءت الواو العاطفة لتفيد جمع العمل مع الجزاء؛ فجهاد الكفار والمنافقين لصدهم عن سبيل الله فعل يستحقون عليه النار، ويتضح ذلك في سياق وقوفهم في الآخرة في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) الرعد 18.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"