بقلم : صالح عطية الخميس 16-06-2016 الساعة 04:15 ص

سياسة وضع الجميع على نفس الطاولة

صالح عطية

بعد ما يربو عن العامين من رئاسته للدولة، استفاق الرئيس التونسي، الباجي قايد السبسي على عمق الأزمة التي تتخبط فيها البلاد، وهي المعضلة الاقتصادية والاجتماعية، التي ظلت لعدة سنوات منذ ثورة يناير 2011، بين قوسين، وضمن الاهتمامات الثانوية للحكومات المتعاقبة التي غلّبت السياسي وترتيبات الحكم على الاجتماعي والتنموي، رغم أن هذه الثورة، إنما قامت لتعيد بوصلة الحكم إلى المربع الاجتماعي بالتحديد..

لم يكن إعلان الباجي قايد السبسي عن مبادرته السياسية مؤخرا، أمرا متوقعا، ليس فقط من حيث التوقيت الذي يتزامن مع نهاية سنة سياسية لم يتعود الرأي العام أن تشهد مبادرات من هذا القبيل، إنما كذلك وبالأساس، من حيث مضمونها، الذي جاء ليقلب الطاولة على الجميع، ويعلن أنه "المتحكم" الأساسي بقواعد اللعبة وحيثيات الحكم، وميزان القوة بين السلطات الموزعة في البلاد، ونعني هنا، مجلس نواب الشعب والحكومة، وبدرجة أقل، الائتلاف الرباعي الحاكم..

هكذا وبعد فترة العامين صلب المطبخ الرئاسي، أيقن الرئيس التونسي، أن الحكومة الحالية التي يقودها الحبيب الصيد، لم تعد تجدي نفعا، وحان أوان تغييرها، من خلال تشكيل "حكومة وحدة وطنية"، تكون المنظمتان الكبيرتان، اتحاد العمال، ومنظمة رجال الأعمال، أحد مكوناتها الرئيسية..

ولا شكّ أن الباجي قايد السبسي، بما عرف عنه من حنكة كبيرة في عالم السياسة، أراد بهذه المبادرة أن يعيد ترتيب الأولويات من جديد، وأن يخلط الأوراق بشكل مختلف، ليس عما تطرحه المعارضة فحسبـ، إنما كذلك عما يتداول في كواليس الائتلاف الحاكم ذاته، حيث يجري النقاش بخصوص تعديل حكومي مرتقب كأقصى سيناريو لأداء حكومي يثار حوله الجدل منذ فترة غير قريبة..

لقد أنهى الباجي قايد السبسي بهذه المبادرة، الحديث عن الأزمة في تونس، ودفع الجميع، سلطة ومعارضة ومكونات مجتمع مدني، للنقاش حول أفق الحل لهذه الأزمة، واعتبر مبادرته نقطة انطلاق أساسية في البحث عن سيناريوهات الخروج من نفق لطالما وصفه بنفسه بـ "المظلم"، في إشارة إلى تعقيداته والصعوبات التي تلف جوانبه المختلفة..

لكن مبادرة الرئيس التونسي، وضعت اتحاد العمال في مأزق حقيقي من خلال دعوته للمشاركة في الحكومة، رغم علم رئيس الجمهورية، بأن ذلك أمر غير ممكن بالنسبة لاتحاد الشغل، الذي صرح زعيمه، حسين العباسي عدة مرات أنه غير معني بالحكم، فضلا عن استعداده لمؤتمر المنظمة بعد عدّة أشهر، وسيكون من المستحيل عليه الدخول للحكومة..

لقد وضعت هذه الدعوة اتحاد الشغل أمام خيارين أحلاهما مرّ : إما الدخول للحكومة وهو ما سوف يجعل المنظمة في حِلّ من كل إضرابات أو قلاقل اجتماعية، باعتبارها ستكون جزءا من الحكم، أو أنها ترفض مقابل تمكين الحكومة من هدنة اجتماعية لفترة عام على الأقل، من شأنها أن توفر إمكانية لرئيس الدولة، للضغط على رجال الأعمال لكي يساهموا في خلق مشاريع استثمارية داخلية، طالما أن ذريعتهم كانت دائما، الخشية من الإضرابات ومن دور النقابات صلب المؤسسات الاقتصادية، وبذلك يضرب الرئيس عصفورين بحجر واحد: إجبار اتحاد العمال على القيام بخطوة إلى الخلف، وسحب البساط من تحت أقدام رجال الأعمال، والتمكن بالتالي من توفير مناخات جديدة لتحريك دواليب الاقتصاد التونسي المعطّل منذ فترة..

لا يهمّ بعد ذلك إن تعدّلت الحكومة أو حافظت على قسم واسع من وزرائها الحاليين، مقابل تعديلات في عدّة حقائب سيطلبها اتحاد الشغل لقاء قبوله بالهدنة الاجتماعية، المهم أن الحراك السياسي والحكومي، قد وضع في سياق جديد، سياق الخروج الجماعي من الأزمة، أما ما عدا ذلك من تفاصيل، فهي غير ذات بال بالنسبة للـ "الشيخ / الرئيس"..

مرة أخرى يتأكد بما لا يدع مجالا للشكّ، أن المشهد التونسي لا يتحكم فيه طرف وحيد مهما قويت شوكته، وسيظل الوضع في تونس قابلا للمبادرات بحجم الأزمة وإرث السنوات العجاف للنظام القديم المخلوع، الذي تركها أفرغ من فؤاد أمّ موسى..

الكلّ ـ في الفقه السياسي للرئيس الباجي قايد السبسي ـ معنيّ بالأزمة كما هو معني بإيجاد الحلول لها، ومن يضع نفسه خارج هذا السياق، يعدّ على هامش المشهد واستحقاقاته..

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"