بقلم : نعيم محمد عبد الغني الجمعة 17-06-2016 الساعة 01:55 ص

تكرار حرف الجر مع واو العطف

نعيم محمد عبد الغني

يلاحظ في الجملة القرآنية أن حرف الباء يتعلق بالفعل (آمن – كفر) وفي أغلب الشواهد لا يتكرر مع العطف، وقليل جدا ما يتكرر مع العطف، فمثلا، جاءت الباء مع العطف مرة واحدة في القرآن في قوله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَٰتُهُمْ إِلَّآ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَٰرِهُونَ) التوبة: 55 وفي باقي المواضع البالغة مرتين لا يتكرر حرف الجر مع المعطوف كقوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)التوبة: 50، وقوله تعالى: (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) التوبة: 84

والسياق ربما يفسر هذه المسألة، فالباء فائدتها التوكيد؛ فالمنافقون الذين يتظاهرون بالصلاة أمام المسلمين لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم نفقتهم، خاصة في حال من نزلت فيه هذه الآية (أسباب النزول للواحدي 1/170)، وهو ثعلبة الذي كان فقيرا فأغناه الله من فضله، وعندما منع صدقته في أول الأمر وقال إنها أخت الجزية، لم يقبل النبي وخلفاؤه من بعده صدقته، والقرآن يعطي تفسيرا للمؤمنين في ذلك بأن مثل هذا النموذج من المنافقين لا تقبل صدقته، ولا صلاته، ولا ينبغي أن نغر بالظاهر فالله عليم بالسرائر؛ لأن هذا النموذج كفر في نفسه بالله وبرسوله، وهذا التوكيد جاء في بداية كشف الله للمنافقين، والأمر قد يكون صدمة في نفوس بعض المؤمنين ومن ثم احتاج إلى التوكيد بتكرار حرف الجر الباء، لكن بعدما عُرف المنافقون للنبي وعرف ببعضهم للمسلمين عامة كعبد الله بن أبي بن سلول، وبعضهم لخاصة المؤمنين كحذيفة بن اليمان لم تعد الحاجة إلى زيادة التوكيد قائمة، فأمر النبي بعدم الصلاة على أحد منهم؛ لكفرهم بالله ورسوله.

وهذا التوكيد أيضا يظل مطردا معنا في مركب الجار والمجرور المتعلق بالفعل (آمن) الذي يأتي في الجملة القرآنية مقترنا بلفظ الجلالة التي تأتي صحوبة بباء الجر، وعندما يعطف على الاسم المجرور تحذف هذه الباء غالبا، فمثلا: قوله تعالى: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ" النور: 47.

ففي هذه الآيات ادعاء البعض بأنهم مؤمنون بالله والرسول واليوم الآخر، وهذا الادعاء الكاذب يكررون معه حرف الجر الباء؛ رغبة في تصديق المؤمنين لهم، ولكنهم مفضوحون بعد ذلك كما حكى القرآن، وهذا شبيه بقول إخوة يوسف لأبيهم بعد ادعائهم أن يوسف أكله الذئب: (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين).

لكن الباء الجارة لم تتكرر مع العطف في بقية المواضع من القرآن الكريم مثل قوله سبحانه: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ)النساء: 39،

فالباء لم تتكرر هنا لأن المقام ليس مقام توكيد إنما مقام حض على الإيمان الذي لا إكراه فيه، فالآية الأولى تحض على الإيمان بطريق الاستفهام ولو التي تفيد التحضيض، والآية الأخرى تأمر المؤمنين بأن مقتضيات إيمانهم لا تكتمل إلا بالإيمان بالله ورسوله والقرآن، وهذا التكليف لا يحتاج إلى توكيد؛ لأن الإيمان مستقر في القلوب، ولهذا عندما يوصف المؤمنون في الجملة القرآنية فالباء الجارة لا تتكرر في العطف مثل قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) الحجرات: 15.

لكن عندما يكون المقام تحذيريا في الجملة القرآنية، فإن اللام الجارة تتكرر مع العطف مثل قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) الأنفال: 24، وقوله تعالى: (مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ) الحشر 7.

ففي الآيتين السابقتين أمر للمؤمنين جاء في سياق التحذير الضمني؛ فالجملة الأولى أمر بالاستجابة لله والرسول، أعقبها أن الله يحول بين المرء وقلبه، وأن الله شديد العقاب، وأمر باتقاء فتنة الذين ظلموا خاصة.. وكل هذا تحذير يتطلب تكرار الجر إفادة للتوكيد. والجملة الثانية أتت في سياق الحديث عن الفيء بعد القتال، وهذا الفيء قد ينسي المسلمين كيفية تقسيمه، ومن ثم كان هذا القانون الشرعي الذي يؤكد أن هذا الفيء لله ولرسوله ولذي القربى...إلخ، ولم يكرر اللام في بقية المعطوفات (اليتامى والمساكين)؛ لأنه معروف بداهة أنهم يأخذون من الصدقة ومن المال العام الذي تجعل الدولة لهم جزءا منه، لكن الجديد في هذا القانون التشريعي أن لله وللرسول ولذي القربى قسما من الفيء، ومن ثم احتاج الجديد إلى التوكيد.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"