بقلم : علي محمد اليافعي الإثنين 20-06-2016 الساعة 01:38 ص

البطل الرامي سعد بن أبي وقاص

علي محمد اليافعي

لم يكن أحد من بين صحابة رسول الله، عليه الصلاة والسلام، في مثل مهارة سعد بن أبي وقاص، في الرمي بالسهام، ولا في مثل منزلته من الفضل الذي أحرزه كرامٍ، وسُجّل له في كتاب التاريخ، في باب الجهاد، سعد الذي أسلم مبكرا، وهو ابن سبع عشرة سنة، مع الأوائل السابقين إلى الدخول في الإسلام، برفقة أبي بكر، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، رضي الله عنهم جميعا، سعد الذي عُرف بلقب في الإسلام، امتاز به واشتهر ونال به الشرف العظيم، وهو أنه أول من رمى بسهم في سبيل الله، حتى كان هو نفسُه يذكر ذلك تحدثا بنعمة الله عليه، وشكرا له بها، فيقول مفتخرا بحق وصدق: (والله، إني لأول رجل من العرب، رمى بسهم في سبيل الله)، ونقول ما ذلك اللقب بقليل، وحُق لصحابه نيل المكانة السامية، والدرجة العالية عند الله والناس. فلنبين متى وكيف حدث ذلك لسعد بن أبي وقاص.

في السنة الأولى للهجرة النبوية إلى المدينة، بعث رسول الله، أول سرية لمهمة استطلاع أخبار وشؤون المشركين في مكة، وعَقَدَ الراية فيها لعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وجعله أميرا على ستين رجلا من المهاجرين، ليس فيهم أحد من الأنصار، كان من بينهم سعد، فمضت السرية في طريقها لتحقيق ما أُمرت به، فبينما هم في مسير طريقهم ذلك، إذ رأوا عددا غير قليل يفوق عددهم من كفار قريش، تحت إمرة أبي سفيان بن حرب، ولأنّ رسول الله كان بعثهم سرية استطلاعية لا قتالية، لم يبادر أحد من المسلمين بمهاجمة المشركين، فلم يقع بين الفريقين قتال، إلا أن سعدا البطل المقدام، أبى إلا أن يصيب منهم بيديه القويتين في الحق، الماهرتين في الرمي، فأطلق على المشركين عددا من سهام كنانته، أصاب بها بعض رجالهم ودوابهم، فكان بذلك أول من رمى بسهم في سبيل الله، نصرة للإسلام، ودفاعا عن المسلمين.

بعد ذلك اليوم الأغر في حياة سعد بن أبي وقاص، شهد مع رسول الله المشاهد كلها، وكان المشهد الأعظم والأروع، بالنسبة إليه في يوم أحد، إذ تجلت فيه شجاعته في أبهى مظاهرها، ذلك اليوم الذي لقي فيه المسلمون شدة عظيمة، حين كرَّ عليهم المشركون وقد انكشف عنهم جبل أحد بنزول من كان عليه من الرماة، فتفرق المسلمون في ساحة القتال، وتولوا ولم يبق منهم حول رسول الله، غير نفر قليل ومن بين أولئك سعد، الذي وقف في ثبات وتحدٍّ، يذود ويدافع عن رسول الله بتفانٍ وفداء وتضحية، فأخذ يرشق المشركين بنباله حتى أمطرهم بوابل منها، ولما فرغت جعبته من السهام، نَثَلَ النبي كنانته بين يدي سعد قائلا: (ارمِ سعد، فداك أبي وأمي، ارمِ سعد فداك أبي وأمي)، فجعل سعد يرمي ويرمي، وهو يدعو: (اللهم سهمك، فارمِ به عدوك)، فدعا له الرسول: (اللهم سدد رميته، وأجب دعوته).

هكذا أثبت سعد بطولته في هذه المعركة، وخرج منها ظافرا، بدعاء النبي له، الذي استجابه الله، فظل سعد مجاب الدعوة طول حياته، وظافرا أيضا بثنائه له الذي حُفظ في ذلك اليوم، فها هو علي بن أبي طالب يقول بإعجاب شديد:(ما سمعت رسول الله يفدي أحداً بأبويه إلا سعدا).

بعد معركة أحد حظي سعد عند الرسول حُظوة عظيمة، حتى بلغ من شدة حب الرسول له أنه كان يفتخر به ويباهي، فيقول إذا رآه: (هذا خالي، فليرني امرؤ خاله). بخٍ بخٍ يا سعد، وهنيئا لك هذه المنزلة الكريمة. وذلك أن سعد قُرَشيّ من بني زُهرة، وبنو زهرة هم قوم أم رسول الله، السيدة آمنة. سبحان ربي! ما هذا الأدب الجم، ولطف النفس، ولين الخلق، وكرم الطبع، في معاملة النبي لأصحابه، إنه يقول لسعد: هذا خالي. مع أنه يكبره بنيّفٍ وعشرين سنة، ولكن لا عجب في ذلك، فرسول الله يزن أقدار الرجال، ويعرف الفضل لصاحبه، فيعطي كل ذي حق حقه، وفق ما له من منقبة ومزية، ويعامل الناس جميعا بخلق حسن، فهو الذي قال الله فيه:(فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك).

استمر سعد في دفاعه عن الإسلام في حياة الرسول وبعد مماته عليه الصلاة والسلام، ولم ينِ ولم يكلَّ بل ازداد دفاعا، وتألق ضياء، في ميادين المعارك، وساحات القتال، ففي خلافة عمر بن الخطاب، لما تصعب الأمر وتأزم على المسلمين في العراق، من جراء ما تشنه قوات الفرس من هجمات، مثلت خطورة بالغة على وجود المسلمين هناك، بما للفرس من تفوق في العتاد وعدد الرجال، جمع عمر المسلمين، وحثهم على الجهاد، ورأى أن يرسل جيشا إلى العراق لمواجهة خطر الفرس، وأن يكون هو نفسه قائدا له، غير أن كبار الصحابة من أصحاب الرأي راجعوه في ذلك، وأشاروا عليه بالبقاء في المدينة، لكونه رأس دولة الإسلام، وهو حاكمها، الذي تصدر عن أمره، وترجع إليه في حكمه، وأن ينتدب لذلك قائدا من القواد، ثم وقع الاختيار بعد الرأي والتفكير، على سعد بن أبي وقاص، واتفقوا عليه قائلين: إنه الأسد عاديا. ليسيرَ بجيش المسلمين ويكون البطل القائد لمعركة القادسية العظيمة، التي عز الله فيها جنده، ونصر دينه، فبقيت خالدة في التاريخ لا تنسى.

من بعد نصر القادسية، سار سعد بالجيش ليعبروا دجلة ويفتحوا المدائن عاصمة الفرس، ويدخلوا إيوان كسرى، الذي حين دخله سعد، صلى فيه ركعتين، قرأ فيهما قول الله تعالى:(كم تركوا من جناتٍ وعيون. وزروعٍ ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوما آخرين).

بعد أن تم النصر التام للمسلمين على الفرس في العراق، ولّى عمر سعدا إمارة العراق، فاختط سعد هناك مدينة الكوفة، وشرع في بنيانها وتعميرها حتى أصبحت آهلة بالناس، حافلة بالعمران، ثم شاءت المقادير، أن تحدث لسعد حادثة عجيبة غريبة، وهي أن بعض أهل الكوفة شكا سعدا إلى عمر بن الخطاب، فقالوا: ( إن سعدا لا يحسن الصلاة!!).

انظروا إلى هذا القول، بل هذا الكذب والزور والبهتان، إنْ تعجبْ فعجبٌ قولهم ذاك، أسعدٌ لا يحسن الصلاة؟! أستغفر الله، تبا لهذا القول، وتبا لمن افتراه.

يا للرجالِ ذوي الألباب من نفرٍ لا يَبْرحُ السفهُ المُرديُّ لهم دينا

وكذلك هم السفهاء في كل زمان ومكان، لا يسلم الكرام من سفاهاتهم وجهالاتهم وافتراءاتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قال سعد مدافعا عن نفسه:( والله إني لأصلي بهم صلاة رسول الله، أرْكُد — أطيل — في الركعتين الأُوليين، وأخفف في الأُخريين)، فقال عمر:( ذلك الظن بك أبا إسحاق)، ولكن عمر أحب أن يستوثق من الأمر ليسكتَ المتخرصين الكاذبين، فبعث رجالا يسألون عنه في مساجد الكوفة، فكانوا لا يأتون مسجدا من مساجدها إلا أثنوا عليه خيرا، وقالوا معروفا، حتى أتوا مسجدا من المساجد فقال رجل يقال له أبو مسعدة:(اللهم إنه كان لا يسير بالسرية، ولا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية)، فقال سعد:(أمَا والله لأدعونّ بثلاث، اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره، وأطل فقره، وعرِّضه للفتن).

فرُئي الرجل من بعدُ وقد سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر، يتعرض للنساء في الطرق، وذلك جزاء الباغين الآثمين، وكان يقول إذا سئل عن سبب بلائه: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد.

ثم إن عمر أراد من سعد أن يبقى واليا له على الكوفة، ولكن سعدا أجابه في أسفٍ وأسى:(أتأمرني أن أعود إلى قوم يزعمون أني لا أحسن الصلاة)، وآثر البعد عن الولاية، وأقام في داره بالعقيق، معتزلا صَخَب الحياة، مبتعدا عن ضوضائها، حتى وافته المنية وهو شيخ كبير له من العمر بضعٌ وثمانون سنة،

آخر من توفي من المهاجرين

كان سعد ابن أبى وقاص قد أوصى أهله أن يكفن في جُبة كان يرتديها يوم بدر، قائلا: (كفنوني بها، فإني لقيت المشركين فيها يوم بدر وهي علي، وإنما خبأتها لهذا اليوم)، ثم حُمل جثمانه إلى المدينة المنورة، وصلى عليه المسلمون في مسجد رسول الله، ودفن بالبقيع، وكان آخر من توفي من المهاجرين، فووري في التراب، وروحه محلّقة في السماء، خال رسول الله، المفدى، وبطل القادسية، رضي الله عنك يا أبا إسحاق.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"