بقلم : نعيم محمد عبد الغني الإثنين 20-06-2016 الساعة 02:07 ص

الجهاد في سبيل الله

نعيم محمد عبد الغني

أحيانا يتقدم لفظ الجهاد بالنفس والمال على اللفظ في سبيل الله، وأحيانا يكون العكس، فقوله -تعالى- "إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض" الأنفال: 72. تقدم "بأموالهم وأنفسهم" على "في سبيل الله".

وقال الله في سورة براءة 20: "الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله" .

لم قدم ذكر الأموال والأنفس في الآية الأولى على قوله "في سبيل الله"، وأخر في الثانية؟.

تناول هذه المسألة الخطيب الإسكافي في درة التنزيل، والخطيب الكرماني في أسرار التكرار في القرآن، واعتمد الكرماني على قول الإسكافي ونقله بحرفه وأشار إلى ذلك.

والكرماني والإسكافي تناولا هذا الموضع في سورتي الأنفال والتوبة رغم أن هناك مواضع أخرى في القرآن الكريم، مثل قوله -تعالى- "فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ" [سورة التوبة (9) : آية 81]

ومثل قوله -تعالى-: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ" الحجرات 15.

والذي أراه من فهم هذه الآيات في سياقها ما يأتي:

أولا: عند ذكر مقام حب النفس البشرية للدنيا يقدم المال والنفس على سبيل الله، لأن الاهتمام بها أنساهم غاية الجهاد العظمى المتمثلة في سبيل الله، فاهتموا بالمال والنفس على الغاية الكبرى وهي سبيل الله. ثانيا: تأسيسا على ما سبق نجد أن الله حينما يتحدث عن المنافقين يقدم بأموالهم وأنفسهم على "في سبيل الله"؛ لأن المنافق يحب نفسه وماله عن الله -تعالى- والجهاد في سبيله، ولذا قال -سبحانه-: مثل قوله -تعالى- "فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".

ثالثا: أما المؤمنون فمتى يقدم ذكر "بأموالهم وأنفسهم" على "في سبيل الله"؟ وهل في هذه الحالة يساويهم بالمنافقين كما ذكرنا سابقا؟ الجواب لا، حيث إن النفس البشرية قد تنسى وتذهب إلى المال وحب النفس، فيأتي تذكيرها بالجهاد في سبيل الله لا من أجل المال والنفس، ولذلك عندما يذكر ثواب المجاهدين يقدم في سبيل الله، فهم خرجوا لتكون كلمة الله هي العليا، ولم يخرجوا لعرض زائل قال -تعالى-: "الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله".

رابعا: تبقى آية الأنفال التي ذكرت ثواب المجاهدين ورغم ذلك قدمت بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله؟ والجواب أن السياق تفصيل للمهاجرين والأنصار، بعد آيات الأسرى التي فضل المسلمون فيها فدية فكاك الأسير، وعاتبهم الله في ذلك، فكان تقديم "بأموالهم وأنفسهم"؛ لذكر مسوغات تفضيل هذه الفئة المباركة؛ حيث إنه ذكر أن المؤمنين الذين لم يهاجروا، ما لكم من ولايتهم من شيء؛ فالذين لم يهاجروا خافوا على أنفسهم وأموالهم، فلم يستحقوا مرتبة المهاجرين والأنصار الذين خرجوا من ديارهم وأنفسهم، وفضلوا طريق الله على طريق من سواه.

خامسا: أما ما ذكره الخطيب الإسكافي في هاتين الآيتين فاعتماده على سياق السورتين فقط، ولم يؤسس لقاعدة قرآنية عامة في هذا المجال، وملخص ما قاله أن الآية الأولى في سورة الأنفال تعقيب ما أنكره الله -تعالى- على من قال لهم: "تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم" الأنفال: 67، وهم أصحاب النبي لما أسروا المشركين، ولم يقتلوهم طمعا في الفداء.

فقال -تعالى-: "لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم" الأنفال: 68. أي: فيما أخذتم من هؤلاء الأسرى من الفداء.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"