بقلم : علي محمد اليافعي الثلاثاء 21-06-2016 الساعة 01:08 ص

خطيب رسول الله.. ثابت بن قيس

علي محمد اليافعي

عُرف الصحابي ثابت بن قيس بن شَمَّاس الأنصاري، بصوته الجهير الرفيع، واشتهر بلسانه الفصيح البليغ، الذي يصدع بالحق المبين، في بيان ناصع لا يشوبه شيءٌ من التكلف ولا الإغراب، يجذب القلوب، ويخلب العقول، بالسحر الحلال، الذي ينساب من الحناجر بمعانيه وألفاظه وأنغامه، فيبلغ النفوس كالماء الزلال، يرويها وينعشها، بحيث يغذي العقل، ويصله بحياة تشع فيها أنوار العلم والحكمة، الهادية في طريق الحياة الشائكة، ذلك هو فعل البيان الحق.

تجلت مهارة ثابت بن قيس في الخطابة، وظهرت في هذا المجال حذاقته، فكان خطيبا من مصاقِع الخطباء، إذا اعتلى المنبر، أسمع الناس خُطبا رنانة، تترك فيهم دويا أيَّ دويّ، يهز الضمائر، ويؤثر فيها، بما له من فكر قويم، ومنطق سليم، فكان خليقا أن يحتاز هذا اللقب الجليل، ألا وهو خطيب رسول الله، عليه الصلاة والسلام، وكان جديرا أن يظفر بثناء الرسول بقوله: (نعم الرجل، ثابت بن قيس).

لئن كان ثابت خطيبا فصيحا، ذا مكانة شريفة في الخطابة، بفضل ذلك اللقب، فإنه أيضا رجل ذو إيمان وتقى، يحب طاعة الله، وطاعة رسوله، ويخاف المعاصي والذنوب، ويكره كل ما يغضب الله، وكل ما لا يرضي رسوله الكريم، فهو أواب منيب، حلّت التقوى في قلبه، واستقرت فيه فزينته، مثلما استقرت في قريحته ملكة البيان والفصاحة، فجعلته خطيبا مفوها، فإنه لما نزل قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون)، دخل ثابت داره، واحتبس فيها، وقعد يبكي وهو حزين مكتئب، إذ تخوف أن تكون الآية قد نزلت فيه، فهو ذو صوت جهير، في مجلس رسول الله، فمن ثم يكون قد حبط عمله، وذلك هو الخسران المبين، وظل على تلك الحالة مدة حتى افتقده النبي فسأل عنه فأُخبر عما به فأرسل إليه يدعوه وقال له، مطمئنا إياه:(إنك لست منهم، بل تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، ويدخلك الله الجنة)، فسَعد ثابت بن قيس لهذه البشرى سعادة عظيمة، وعمل لها فيما بقي من عمره حق عملها، ليكون أهلا لها وجديرا بها، وليثبت أن ثابت بن قيس، يستحق تلك الشهادة له من خير البرية.

دوّن أصحاب السير والمؤرخون، موقفا من مواقف العرب الفصحاء البلغاء، وقع في عام الوفود، من السنة التاسعة للهجرة، وذلك يوم قدم على رسول الله، وفد تميم، وكان وفدا مهيبا ضم وجوه بني تميم وسادتهم، ومعهم خطيبهم عطارد بن حاجب، وشاعرهم الزَّبِرقان بن بدر، فقالوا للنبي: جئناك نفاخرك، فاذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: قد أذنت لخطيبكم فليقل. فقام عطارد بن حجاب، يخطب مفتخرا بقومه، ذاكرا ما لهم من مناقب ومحامد، وفضل وحسب، فلما فَرَغ وجلس، قال رسول الله لثابت بن قيس: قم فأجب الرجل في خطبته. فقام ثابت وخطب فأحسن، إذ حمد الله وأثنى عليه، وذكر فضله وبيّن نِعمه، ومدح نبيه المصطفى، خير خلقه، وخاتم رسله، ثم أتى على ذكر مآثر المهاجرين، أكرم الناس أحسابا، وخيرهم فِعالا، وعقّب بذكر الأنصار الذين آوَوْا رسول الله، والذين آمنوا معه، فنصروهم وأعزوا دين الله تعالى، ثم ختم ثابت خطبته بالاستغفار له وللمؤمنين والمؤمنات، وبالسلام.

بعد ذلك جاء مقام الشعر، وللشعر مقام أثير عند العرب، كما هو معروف عنهم، فقام شاعر تميم الزبِرْقان بن بدر، فقال:

نحنُ الملوكُ فلا حيٌّ يُقاربنا فينا العلاءُ وفينا تُنصَبُ البِيَعُ

ونحن نُطْعِمُهم في القَحْطِ ما أكلوا منَ الشِّواء إذا لم يُؤْنَسِ القَزَعُ

وننحَرُ الكَوْمَ عِبطا في أرُومتنا للنازلين إذا ما أُنْزِلوا شَبِعوا

تلك المكارم حُزناها مُقارَعةً إذا الكرامُ على أمثالها اقترعوا

هذا قول شاعرهم، الذي لم يَعْدُ ذكر نحر الذبائح، ومدِّ الموائد، على عادة العرب الكرام، فلما فرغ هبّ شاعر رسول الله، الشاعر الفحل المُفْلِق، حسان بن ثابت، حين قال له النبي: قم يا حسان فأجب الرجل فيما قال. فردّ مرتجلا شعره على نفس بحر ورَوِي شاعر تميم، وأتى بمعانٍ بديعة رائعة فقال:

إن الذوائبَ من فِهرٍ وإخوتهم قد بينوا سُنة للناس تُتّبعُ

يرضى بها كلُّ من كانت سريرته تقوى الإله وبالأمر الذي شَرَعوا

قومٌ إذا حاربوا ضرّوا عدوهم أو حالوا النفعَ في أشياعهم نفعوا

سجيّة تلك فيهمْ غيرُ مُحْدَثةٍ إن الخلائقَ فاعلمْ شرّها البِدَع

لو كان في الناس سبّاقون بعدهُمُ فكلُّ سبْقٍ لأدنى سبقِهم تَبَعُ

أعفةٌ ذُكرت في الوحي عفتهم لا يَطبعونَ ولا يرديهمُ طمَعُ

لا يبخلون على جارٍ بفضلهمُ ولا يمسُّهم من مطمع طَبَعُ

لا يفخرون إذا نالوا عدوهم وإن أصيبوا فلا خَوَرٌ ولا هَلَعُ

إلى قوله:

أكرم بقومٍ رسول الله شيعتهم إذا تفرّقَت الأهواء والشِّيَعُ

قال التميميون لما انتهى حسان من إلقاء قصيدته، معترفين بالحق: وربكم إن خطيب القوم أخطب من خطيبنا، وإن شاعرهم أشعر من شاعرنا، وما انتصفنا ولا قاربنا. وبعدئذٍ أسلم القوم، وأكرمهم رسول الله، وأحسن جوائزهم.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"