بقلم : نعيم محمد عبد الغني الثلاثاء 21-06-2016 الساعة 01:25 ص

وصف العذاب في القرآن

نعيم محمد عبد الغني

يوصف العذاب في القرآن بأنه أليم وشديد وعظيم ومهين، فما الفروق الدلالية في هذه الأوصاف مع السياقات التي وردت فيها؟

وقبل البحث نقول: إن كلمة عذاب وردت في أكثر من 300 موضع، فوردت بمشتقاتها، حيث جاءت فعلا مثل: (يعذب من يشاء) وجاءت اسم فاعل مثل قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)، وجاءت مصدرا، مثل (وله عذاب عظيم) وجاءت معرفة مثل: (فذوقوا العذاب).

فهي إذًا استوعبت صيغا متعددة في الكلام العربي، ولكل صيغة مع سياقها دلالة خاصة، ولكن سوف نبحث في وصف هذه الصيغة حيث جاء وصف (العذاب) في القرآن بـأنه (أليم) في ثلاثين موضعًا تقريبًا، منها قوله تعالى في المنافقين: {ولهم عذاب أليم} (البقرة:10)؛ وبأنه (شديد)، في نحو خمسة عشر موضعًا، منها قوله تعالى: {إن عذابي لشديد} (إبراهيم:7)؛ وبأنه (عظيم) في خمسة عشر موضعًا، منها قوله تعالى في المنافقين: {ولهم عذاب عظيم} (البقرة:7، كما جاء وصف العذاب بأنه مقيم في أقل من ذلك مثل قوله تعالى: (وعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) التوبة 68.

فما تحليل ذلك؟ دعونا نر هذه الآيات التي وردت في سورة المائدة (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). (33 المائدة)

فوصف العذاب بالعظيم في الآية السابقة لأن الإفساد في الأرض شيء يعم شره الناس جميعا، وقد وصف الفساد في آية أخرى بأنه كبير، ولا يناسب الإفساد الكبير إلا العذاب العظيم، يقول تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) الأنفال 73.

أما العذاب فقد وصف بالأليم في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَن لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (36) وهذا يحتاج إلى وقفة في طريقة صياغة الآية التي قيلت في مقام الترهيب ففي هذه الجملة جعلت الأرض كأنها وعاء يملأ، وهي صورة حسية لتصور هذا المشهد الذي يمكن شرحه في ضوء افتراض بدائل أخرى؛ لمحاولة بيان بلاغة الجملة القرآنية على هذا النسق، وهذه البدائل الممكنة في هذه الجملة هي أن يقال مثلا:

فلن يقبل من أحدهم عدل الأرض ذهبا

فلن يقبل من أحدهم ما يملأ الأرض ذهبا

فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض (مالا- فضة...مثلا)

فلن يقبل من أحدهم ذهب الأرض

ولكن هذه البدائل يلاحظ فيها ما يأتي:

هذه الجمل المفترضة لن تؤدي المعنى المقصود في السياق؛ فالله يأمر المؤمنين بالتقوى وأن يتخذوا إليه الوسيلة لعلهم يفلحون، ويعطيهم صورة حسية لمصير الكفار الذين خرجوا من ربقة الإيمان ولم يتخذوا الوسيلة للفلاح والقرب من الله، بل صدوا عن السبيل؛ جريا وراء شهوة المال، وركضا وراء متع الدنيا، فيصور ذلك الموقف العسير الذي يود الكافر أن يقدم أي شيء حتى يفتدي نفسه من عذاب الله، ولكن هيهات؛ فأغلى الأشياء الذهب وهو أصل الأموال التي هي زينة الحياة الدنيا؛ ومن ثم أتى تمييزا، وأوسع المقادير لا يستطيع العقل أن يتخيل حجمها وأبعادها، فالإناء الذي سيملأ بالذهب الأرض التي لا يستطيع المرء أن يحيط بأبعادها ولا ببعض البعض من أبعادها؛ فتكون الفدية هنا محالة. وفي هذه الآية رد على هؤلاء الكفار، فلقد حكى القرآن قولهم: (وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين)، فهذه الأموال التي يظنون أنهم سيقدمونها هدية أو فدية لن تجدي شيئا؛ لغضب الله عليهم، ولأن الهدية على سبيل الرشوة تكون ممن يحتاج إليها والله لا يحتاج إلى أحد، كما أن الفدية عظيمة لا يقدرون عليها، وإذا قدروا فلن تقبل؛ وفي هذا تصوير لقمة غضب الله على هؤلاء الكفار، "وقيل: إن الملوك قد لا يقبلون الهدية ويقبلون الفدية، فإذا لم يقبلوا الفدية كان ذلك غاية الغضب ونهاية السخط".

والحديث لا يزال موصولا حول وصف العذاب في القرآن الكريم باعتباره من المواطن المتشابهة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"