القرضاوي: الرضاع المحرِّم ما كان في الصِّغَر

محليات الثلاثاء 21-06-2016 الساعة 12:45 م

 أ.د. يوسف القرضاوي
أ.د. يوسف القرضاوي
الدوحة - الشرق

الكتاب: فقه الأسرة وقضايا المرأة

المؤلف: د.يوسف القرضاوي

الحلقة: السابعة عشر

الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أَولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته. وقد جعل القرآن تكوين الأسر سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به، ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21).. فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل؛ يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه. وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معاً، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعِّبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم واحتفالات الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات.. ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك".. "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض".

والزواج إذ يُيَسِّر أسباب الحلال يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن. وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228).

ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35).

فتوى للشيخ شلتوت:

وقد عرض شيخنا العلامة الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق رحمه الله في كتابه (الفتاوى) لمذاهب العلماء في قدر الرضاع الذي يحرِّم الزواج بين الرضيعَيْن، وكثرة اختلافهم في ذلك، تبعًا لاختلاف النظر في الآية مع الأحاديث الواردة في الموضوع، والمتعارضة في ظواهرها، وتحكيم كل فريق ما صحَّ عنده منها. ثم قال: ((ولكن لم نرَ منهم من عرَّج نحوَ دلالةِ كلمة: "وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ" على قدر الرضاع المحرم، ولا شكَّ أنَّ عنوان (الأمهات) يعطي أن مدة الرضاعة امتدت، حتى شعرت معه المرضعة بمعنى الأمومة للرضيع، ولا شك أن هذا الوقت الذي يتحقَّق به معنى العطف والحُنُوِّ والشوق من المرضعة للرضيع، ليس هو وقت (القطرة)، ولا هو وقت (الثلاث رضعات)، ولا هو وقت الخمس رضعات. وخاصة إذا قدرنا أن الرضاع المحرِّم هو ما يكون في حولَيْن أو أكثر، كما يذهب إليه بعض العلماء.

فالخمس رضعات، أو الرضعات المعدودات، لا يمكن أن تُحدِثَ معنى الأمومة عند المرضِعة، متى لوحظ تفرُّقها على الحولين، أو أكثر منهما. وهذه ناحية أعرضها للبحث الذي يستعان فيه برأي الأطباء الواقفين على المدار الذي ينبت فيه اللحم وينشز العظم. ونرجو أن يصل العلماء إلى ما يرفع اختلاف المفتين في هذه المسألة التي كثيرًا ما رأيت بنفسي ما تُحدث عقدًا نفسية بين الزوجين، حين يجدان أن فلانة أرضعتهما. وإذا كان جمهور العلماء يفتون برأي الشافعية ـ نظرًا إلى أنه المتوسط بين الآراء ـ فإن كثيرًا من المفتين يزعجون الأسر الهادئة، بأن قليل الرضاع وكثيره سواء في التحريم. والواقع أن مسألة التحريم بالرضاع على الوجه المذكور به في كتب الفقه، في حاجة إلى التمحيص، لاختيار الأوفق والأيسر، والأبعد عما يثير في نفوس الأسر الزعزعة والاضطراب)).

وقفات أمام فتوى الشيخ شلتوت

وهنا لا بد لنا أن نقف وقفات أمام فتوى شيخنا رحمه الله:

أولًا: لا يزال ما أنكره الشيخ منذ عدد غير قليل من السنين قائمًا، وهو اختلاف المفتين الذين يُسألون في هذه القضية، اختلافًا يدعُ السائلين من جماهير المسلمين في حيرة لا يدرون معها أي مذهب يختارون، ولم تبذل محاولة من الهيئات العلمية المرموقة، أن ترجِّح في ذلك رأيًا؛ يريح الناس من البلبلة والشك والاضطراب.

ثانيًا: لا يزال الكثيرون يتبنَّون أشد الآراء في هذه المسألة، ويفتون بأن المصة الواحدة تثبت التحريم إلى الأبد، مدَّعين أن هذا رأي جمهور الأئمة، وأن ثلاثة من الأئمة الأربعة يقولون به، يعنون: أبا حنيفة ومالكًا وأحمد، هذا مع أن ظاهر مذهب أحمد عدم التحريم إلا بالخمس، كما هو مذهب الشافعي، وكمَّا نصت على ذلك كتب الحنابلة.

ثالثًا: ذكر الشيخ أنه لم يَرَ من السابقين من عرَّج على دلالة كلمة "وأمهاتكم" على قدر الرضاع المحرِّم، وقد ذكرنا نقل النووي عن الشافعية اعتراضهم على مخالفيهم بدلالة ذكر (الأمومة) في الآية.. وقد عرض العلامة الآلوسي في تفسيره الشهير "روح المعاني" لذكر كلمة "أمهاتكم" في الآية، ونقل عن الحافظ السيوطي؛ أن عنده في سر ذكرها كلامًا كثيرًا، لو شاء لكتب عليه عدة مؤلفات! وأشار ضمن كلامه إلى أنه لو قيل: (واللاتي أرضعنكم) يكفي في التحريم رضعة واحدة، ولكنه قال: "وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ" ليرتب عليها خمس رضعات واردة.. وذكر الآلوسي خمس ملحوظات من باب الإشارة، مما يقوي الاستئناس بالآية على مذهب التحريم بالخمس. ثم نقل عن الإمام النووي ما سبق أن ذكرناه، وعقب عليه بقوله: "لم يصرح رحمه الله تعالى بأن الآية التي استدلَّ بها المالكية مُشعِرة بالخمس، بل اقتصر على أن الدلالة على الواحدة لا تحصل بها، وأراد أن ما أشرنا إليه من الإشعار القوي إلى التعدد، يأبى حمل الماهية على أقل ما تتحقَّق فيه". على أن الذين تكلَّموا من قريب أو بعيد حول دلالة كلمة "أمهاتكم اللاتي أرضعنكم"، لم ينتهوا بقيد "الأمومة" هنا إلى ما انتهى إليه الشيخ، الذي يفيد كلامه: أنه لا بد من وقت طويل حتى تتكوَّن. وقد يرد على هذا بأن التشريع لا بد أن يضع حدًّا أدنى، كما وضع حدًّا أعلى (الحولين على الصحيح)، فكانت الرضعات الخمس هي الحد الأدنى الذي يتحقق به معنى الأمومة في أقل درجاته، وهذا ما يمكن أن نسميه (نِصَاب الرضاع) كما في نظائره (نصاب الزكاة)، و(نصاب السرقة).. ونحوها.

رابعًا: ما طرحه الشيخ رحمه الله للبحث الذي يشترك فيه علماء الشرع مع علماء الطب، كلٌّ فيما يخصه، لبيان قدر الرضاع الذي ينبت اللحم وينشز العظم، كما جاء في بعض الأحاديث.

أقول: هذه الدعوة لم تجد صدًى لا عند الفقهاء، ولا عند الأطباء، لا بالقبول والتأييد، ولا بالرد والتفنيد، وذهبت صيحةً في واد، ونفخةً في رماد، كما يقولون.. غير أن في ثبوت هذا الحديث نفسِه كلامًا، من حيث صحَّة سنده، وإنما يستدل به مع مجموعة الأحاديث والآثار الأخرى، الدالة على اعتبار الصغر في التحريم بالرضاع.

3 ـ التضييق في مدة التحريم بالرضاع:

إذا كان قيد الأمومة في الآية: "وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ"، قد أيَّد مذهب من اشترطوا العدد في الرضاع، فإن هذا القيد يقوِّي أيضًا مذهب من يرى أن الرضاع المحرِّم، ما كان في الصغر قبل الحَوْلين، وكان قبل الفطام والاستغناء عن اللبن بالطعام. فإن الأمومة تتكوَّن حقيقة في هذه السنِّ المبكِّرة، التي يعتمد الطفل فيها اعتمادًا كليًّا على مرضِعته ماديًّا وعاطفيًّا.

وقد قال تعالى: "وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ"[البقرة:233]. فجعل تمامها في الحولين، فدل على أنه لا حكم للرضاع بعدهما، كما قال ابن قدامة. وروى الترمذي عن أم سلمة قالت: قال رسول الله : "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، في الثدي، وكان قبل الفطام". ومعنى في الثدي: أي في زمن الثدي، وهو تعبير معروف عند العرب. ومعنى (فتق الأمعاء): وسَّعها لاغتذاء الصبي به، وقت احتياجه إليه.. وفي سنن الدارقطني عن ابن عباس، قال: قال رسول الله : "لا رضاع إلا ما كان في الحَوْلَين". وروى البيهقي بسنده: أن رجلًا كان معه امرأته وهو في سفر، فولدت، فجعل الصبيُّ لا يمص، فأخذ زوجها يمص لبنها ويمُجَّه، حتى وجد طعم لبنها في حلقه، فأتى أبا موسى (الأشعري) فذكر ذلك له، فقال: حرُمتْ عليك امرأتُك، فأتى ابن مسعود، فقال (أي لأبي موسى): أنت الذي تفتي هذا بكذا وكذا؟! وقد قال رسول الله : "لا رضاع إلا ما شدَّ العظمَ وأنبت اللحم"؟. وفي رواية أن ابن مسعود قال لأبي موسى: أرضيع هذا؟! وأن أبا موسى قال: لا تسألوني ما دام هذا الحَبْر فيكم.

الرضاع المحرِّم ما كان في الصِّغَر

عن جابر مرفوعاً: "لا رضاع بعد فِصال". وقد قال القرآن الكريم: "وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ"[لقمان:14].

وعن عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله وعندي رجل، فقال: من هذا؟ قلتُ: أخي في الرضاعة. قال: "يا عائشة، انظرن مَن إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة".

وفي قوله: "انظرن مَن إخوانكن". أمرٌ بالتأمُّل فيما وقع من الرضاع؛ هل هو رضاع صحيح مستجمِع للشروط المعتبرة أو لا؟

وقوله: "فإنما الرضاعة من المجاعة". تعليل للباعث على إمعان النظر والتفكر، بأن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة، هي حيث يكون الرضيع طفلًا، يسد اللبن جوعته، وأما من كان يأكل ويشرب، فرضاعه لا من مجاعة؛ لأن في الطعام والشراب ما يسد جوعته.

ومثل هذا حديث: "لا رضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم". فإن هذا إنما يكون لمن كان غذاؤه اللبن. وعن ابن عمر: أن امرأة من الأنصار عمدت إلى جارية لزوجها، فأرضعتها (أي بدافع الغَيْرة)، فلما جاء زوجُها، قالت: إن جاريتَك هذه قد صارت ابنتَك! فانطلق الرجل إلى عمر، فذكر ذلك له، فقال له عمر: عزمتُ عليك لَمَا رجعتَ فأصبتَ جاريتكَ، وأوجعتَ ظهر امراتك؛ فإنما الرضاعة رضاعة الصغير. وهذا هو قول ابنه عبدالله بن عمر: لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الصِّغَر.. فهو إذن قول عمر وابنه وابن مسعود وأبي موسى وابن عباس. قال البيهقي: ورُوِّينا هذا التحديد بالحَوْلَين، عن التابعين عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والشعبي. وهو قول جمهور الفقهاء: إن الرضاع المحرِّم ما كان في الصِّغَر. وهذا هو المعروف من شأن الرضاعة والرضيع، ولم يستطعْ المخالفون أن يردُّوا هذه الدلائل إلا بالتعسُّف في التأويل.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"