بقلم : علي محمد اليافعي الأربعاء 22-06-2016 الساعة 01:21 ص

المهاجر.. عثمان بن مظعون

علي محمد اليافعي

كان الصحابي عثمان بن مظعون، رضي الله عنه، من السابقين الأولين الذين استجابوا لدعوة الإسلام، ولبوا نداءه بالإيمان بالله وحدَه، وبرسالة عبده ونبيه محمد، عليه الصلاة والسلام، وكان حييا أتى له حياؤه بالخير كله، فلم يسلم ابتداءً إلا حياءً من رسول الله، لكثرة ما كان يعرض عليه الإسلام، فأسلم دون أن يستقر في قلبه الإيمان، حتى نزلت هذه الآية العظيمة:(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)، فما إن سمعها ووعِيها حتى استقر الإيمان في قلبه استقرار الجبال الراسيات، التي لا تُزحزح عن مراسيها.

تلك الآية التي سمعها فراح يتلوها ويرتلها مع نفسه، ومع من يعرف من الناس في مكة، ومن أولئك الناس، الوليد بن المغيرة، وكان على إلف وصلة به، فقرأ عليه عثمان الآية إلى آخرها، فانتبه الوليد وقال: يا بن أخي، أعدها علي، فأعاد عليه قراءتها، فقال الوليد فيما سمع من القرآن: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لمورق، وإن أعلاه لمثمر، وما هو بقول بشر. ولا عجب في قوله هذا، فأي امرئ يقف على ما في تلك الآية الجامعة من معانٍ سامية خيّرة معجزة، لا عهد للناس بمثلها في زمنهم، تأمر بالعُرف، وتنهى عن النُّكر، تهدي إلى الخير والرشد، وتزجر عن الشر والغي، أي امرئ يقف عليها وهو سليم الفطرة، صحيح العقل، رقيق الحس، ولا يأخذه الإعجاب بها، ثم الله يهدي من بعد ذلك من يشاء.

هاجر عثمان بن مظعون إلى الحبشة مع من هاجر من الصحابة، إنفاذا لأمر رسول الله لهم، بعد أن اشتد عليهم الأذى والضرُّ على أيدي مشركي قريش، مريداً لهم بذلك عليه الصلاة والسلام، السلامة والنجاة من وطأة ما هم فيه من اضطهاد وعذاب، جاعلاعثمان بن مظعون أميرا عليهم، فخرجوا إلى أرض الحبشة، ومكث عثمان هناك مع أصحابه ما شاء الله أن يمكثوا ثم بدا لهم أن يعودوا إلى مكة، فحزموا أمتعتهم ومضوا إليها، وكانت حالة المسلمين في مكة، على مثل ما تركوهم عليها قبل هجرتهم إلى الحبشة، إذ كانوا في شدة وكرب من المشركين لم يتبدل حالهم.

حينما بلغ عثمان مكة رآه الوليد بن المغيرة، وقد قلنا إنه كان على إلف وصلة به من قديم، فعرض عليه الوليد أن يدخل في جواره، وهو سيد من سادة قريش، منيع الجوار في قومه، ينعم من يجيره بالأمان والرعاية، فقبل عثمان جواره هذا، وقد قلنا إنه كان حييا، لا يدع الحياءَ في تعامله أبدا. لبث عثمان في جوار الوليد أياما وهو آمن لا يمسه أحدٌ بسوء ولا أذى، ولكنّ حياءه لم يدعه وشأنه، إذ ثار في نفسه حين رأى أصحاب رسول الله في شدة وبلاء، على حين هو في نعمة ورخاء، يروح ويغدو هادئ البال، ناعم الحال، فآلمه ذلك، وكبر عليه، وكأن حياءه قال له: ويحك، كيف تمتاز على أصحابك وإخوانك، وتنأى بنفسك عما بهم بحيث لا تحس بهم، ولا تشعر، أما تستحي، أما لك إيمان في قلبك يبعث فيك الحياء؟.

ساعتئذٍ انتفض عثمان كمن كان نائما فاستيقظ فزعا، وقال:(والله إنّ غدوي ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقَْوْن من الأذى والبلاء مالا يصيبني لنقص كبير في نفسي)، فذهب إلى الوليد وقال له: وَفَت ذمتك، يا أبا عبد شمس، وقد رددت إليك جوارك. قال: لمَ يا بن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي. قال: لا، ولكني أرضى بجوار الله عز وجل، ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد، فاردد علي جواري علانية، كما أجرتك علانية. فانطلقا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان، قد جاء يرد عليّ جواري. فقال عثمان: صدق، قد وجدته وفيا، كريم الجوار، ولكني أحببت ألا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره.

اتفق في تلك الأيام أن كان الشاعر المشهور لبيد بن ربيعة العامري في مكة، قاعد في مجلس من قريش، ينشدهم أشعاره، وهو صاحب القصيدة المطوَّلة الشهيرة التي ذاع صيتها بين العرب، والتي يقول في مطلعها:

عَفَتِ الديارُ محلَُها فمُقامُها بمنىً تأبَّدَ غَوْلُها فرِجامُها

والتي منها هذين البيتين:

فاقنعْ بما قَسَمَ المليكُ فإنما قَسَمَ الخلائقَ بيننا علَّامُها

وإذا الأمانةُ قُسِّمت في معشرٍ أوفى بأوفرِ حظِّنا قَسَّامُها

رآهم عثمان في مجلسهم ذاك، فجلس معهم، ولبيد آخذٌ في إنشاد أشعاره، فقال من قصيدة بيته المشهور:

ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلٌ...، فسارع عثمان قائلا: صدقت. وأكمل لبيد البيت: وكلُّ نعيمٍ لا محالة زائلُ. فقال عثمان: كذبت، نعيم أهل الجنة لا يزول. فتمَعَّرَ وجه لبيد، وغضب وقال: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسُكم، فمتى حدث فيكم هذا. فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه فارق ديننا، فلا تجدنّ في نفسك من قوله. فرد عليهعثمان حتى عظم أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضّرها، وكان الوليد بنالمغيرة حينئذ قريبا، فرأى ما حدث لعثمان، فقال له آسفا: أما والله يا بن أخي، إن كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت في ذمة منيعة. فقال عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرةٌ إلى ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر.

وأراد عثمان أن يثبت لهم شجاعته وعزته وقوته شعراً، ما داموا في مجلس شعر، فأنشد مرتجلا:

فإنْ تك عيني في رضا الله نالها يدا ملحدٍ في الدين ليس بمهتدِ

فقد عوَّض الرحمنُ منها ثوابَه ومن يُرْضِه الرحمنُ يا قومُ يسعدِ

فإني وإن قلتم غوِيٌّ مضَلَّلٌ لَأحيا على دين الرسول محمدِ

أريد بذاك اللهَ، والحقُّ دينُنا على رغمِ من يبغي علينا ويعتدي

هاجر عثمان بن مظعون إلى المدينة المنورة مع المهاجرين، وعاش هناك زاهدا متبتلا، يصوم النهار، ويقوم الليل في راحة من نفسه، وخاصة بعد أن هدأ باله مما كان يؤرقه ويقض مضجعه في مكة من أذى المشركين، وهو في حالته هذه لا يلوي على شيء من متع الحياة وملذاتها، حتى إن امرأته دخلت ذات مرة على نساء النبي، سيئة الهيئة، في أثواب رثة، فقلن لها: مالكِ؟ قالت: أمّا الليلُ فقائم، وأما النهار فصائم. فأُخبر رسول الله بقولها، فلقي عثمان ولامه وقال له:(أما لك بي أسوة)، قال: بلى، جعلني الله فداك. فجاءت امرأته من بعدُ حسنة الهيئة، طيبة الرائحة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"