بقلم : علي محمد اليافعي الخميس 23-06-2016 الساعة 01:15 ص

إسلام عمير بن وهب

علي محمد اليافعي

عادت قريش من معركة بدر، مهيضة الجناح، جريحة تجر ذيل الهزيمة المرة، بعدما مُنِيت به من خسارة فادحة، وغرامة هائلة، إذ قتل من سادتهم وزعمائهم من قتل، وأسر منهم من أسر، على أيدي الذين آمنوا بالله ورسوله، وجاهدوا في سبيله حق جهاده، أولئك هم صحابة رسول الله، عليه الصلاة والسلام. وكان من المشركين الذين قتلوا في يوم بدر، أمية بن خلف، والد صفوان بن أمية، صفوان ذلك الابن الذي ظل حزينا مكتئبا على مقتل أبيه، حتى لم يعد يطيب له عيش، ولا يلذ له قوت، ويزيد من هَيَجان واضطراب نفسه، ما يشعر به من حقد وغل على قاتليه، ثم ما يجده من قِصَر اليد، وفقد الحيلة، في طلب ثأره، والأخذ بدمه المهدور، فهو موتور لا يجد سبيلا على واتره.

في ذات يوم خرج صفوان يجول في مكة، لا يدري أين يقصد، خرج هائما على وجهه، بلا وجهة معينة يريدها، من فَرْط ما به من ضجر وضيق، فبينما هو يمشي، إذ لقي عمير بن وهب، أحد رجال قريش وقادتها المبرّزين، وفرسانها الماهرين، وكان هو أيضا ممن ذاق مر الهزيمة النكراء في بدر، وفي نفسه ما فيها من مَوْجِدة وضغينة على المسلمين، ولا سيما وقد أخذوا ولده أسيرا عندهم. فجلس الاثنان، صفوان وعمير يتحدثان، وهما متشاكلان في حالتيهما النفسية، وما يجدانه من شعور أليم على ما بهما من مصاب شديد بسبب المسلمين، فقال صفوان، ذاكراً قتلى بدر: والله ما في العيش بعدهم خير. قال عمير: صدقت، والله لولا دَينٌ علي لا أملك قضاءه، وعيالٌ أخشى عليهم الضَّيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتلَه، فإن لي عنده علةً أعتل بها عليه، أقول: قدمت من أجل ابني الأسير. هنا حَدَقَه صفوان بعينه، واقترب منه، وقال وهو يضرب بكفه على صدره: عليّ دينك يا بن عمي، أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقيت. فسكت عمير هنيهة ثم قال: إذن فاكتم شأني وشأنك، ولا تطلع عليه أحداً أبداً.

أخذ عمير بن وهب، يعد العدة، ويتجهز للسفر إلى المدينة، حاملا معه سيفا صارما مسموما، وانطلق نحو المدينة قاطعا المفاوز، وهو يحث السير، ويحدث نفسه بقرب نيل ثأره، وإشفاء غليله، فكان ذلك يقوي عزيمته، ويُذْكي حماسته، فيما خرج من أجله، فلما قدم المدينة لقيه عمر بن الخطاب، الفاروق، الذي من شدته وبأسه في دين الله، لو سلك شعبا لسلك الشيطان شعبا غير شعبه، فأوجس عمر من مقدمه وظن به شرا، وقال: هذا عدو الله، عمير بن وهب، والله ما جاء إلا لشر. ثم دخل عمر على رسول الله فقال: يا نبي الله، إن عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه. فقال رسول الله: أدخله علي. فأقبل عمر على عمير، ولبّبه ودخل به على رسول الله، فلما رآه النبي قال: أرسله يا عمر. وقال: ادنُ يا عمير. فدنا عمير في رهبة قد أقلقه الموقف، ثم سأله رسول الله: ما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لابني الأسير الذي في أيديكم. قال: فما بال السيف في عنقك؟ أجاب عمير: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئا- يعني يوم بدر-. قال رسول الله: أصدقني يا عمير، ما الذي جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك. فقال رسول الله:(بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحِجْر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دَين علي، وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك، على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك).

فدَهِشَ عمير حينئذ أشد الدَّهَش، وأخذت منه المفاجأة، لعلمه أن هذا الخبر لم يعلمه أحد من البشر، وعلم أن هذا لا يكون إلا بوحي من السماء، من لدن العليم الخبير، جل شأنه، ومما زاد ما به من دهشة أن رسول الله قد أرسله ولطف به مع علمه أنه قادم للفتك به، فما عتَّمَ أن شهد شهادة الحق، ونطق قلبه قبل لسانه: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فقال النبي لأصحابه:(فقهوا أخاكم في الدين، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره)، وهكذا أسلم عمير بن وهب بفضل معاملة النبي له بمبدأ قول الله تعالى:(ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)، وكذلك صار عمير وليا حميما، بعد أن كان عدواً أثيما.

كان صفوان بن أمية في أثناء تلك الأيام، يترقب وصول الأخبار من المدينة، ويتشوق إلى سماعها مبشرة بنجاح صاحبه في مهمته، ويسأل عنها القادمين إلى مكة، فلما طال انتظاره اغتم وظن أن في الأمر ما لا يَسُر، وإنه في حالته تلك حتى قدم بعضهم إلى مكة حاملا معه خبر إسلام عمير، وإقامته في المدينة يتفقه في الدين، نزل هذا الخبر كالصاعقة على صفوان، أشعلت في نفسه حريقاً، كاد يذوب له حسرة وأسفا.

عاد عمير من بعدُ إلى مكة، ونفسه مفعمة بروح الإيمان، ونور الهداية، عاد إليها كي يشهرَ إسلامه أمام جميع من في مكة، معلنا دخوله في دين الله بلا خشية ولا رهبة، علّه بذلك يدعو إلى الإسلام، بعد أن كان يصد عنه، ويؤذي أتباعه، ويجاهر بعداوته، فينصر بذلك الإسلام، ويستدرك ما فاته أيام كفره، ولقي هناك صفوان بن أمية، يتميز من غيظه وغضبه، وأراد صفوان لومه ومنازعته فيما أقدم عليه، ولكنه تركه وشأنه، لما رأى منه الحزم والشدة يظهران في أفعاله وأقواله على من يسيء لدينه، فتجنبه وهجره، على ما كان بينهما سابقا من مودة حميمة، وعلاقة قديمة، ولم يمكث عمير في مكة طويلا، حتى عاد إلى المدينة، ومعه نفر ممن يريدون الإسلام.

ثم تمضي السنوات حتى أتى عام فتح مكة، ودخل رسول الله مكة مبشرا ونذيرا، مع أصحابه المهاجرين والأنصار، ومن بينهم عمير بن وهب، الذي تذكر حين دخوله مكة صاحبه وابن عمه، صفوان بن أمية، فراح يسأل عنه ويبحث، حتى يطلب له الأمان من رسول الله بدخوله الإسلام، ولكن صفوان كان قد فر هاربا، خوفا على حياته يريد (جُدَّة) ليبحر منها إلى اليمن، منذ أن عرف بمقدم المسلمين، لم ييأس عمير من ذلك، بل ازداد حرصا وأملا، فذهب إلى رسول الله وقال: يا نبي الله، إن صفوان بن أمية، سيد قومه، وقد خرج هاربا منك، ليقذف نفسه في البحر، فأمنه عليك الصلاة والسلام. فقال النبي: هو آمن. قال عمير: يا رسول الله، فأعطني آية يعرف بها أمانك. فما كان من الرسول الكريم إلا أن أعطاه عمامته التي دخل بها مكة لرحمته ورأفته عليه الصلاة والسلام، وحرصه على أن يؤمن الناس جميعا بربهم.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"