بقلم : محمود القاسمي الخميس 23-06-2016 الساعة 01:20 ص

الصبر على المصائب

محمود القاسمي

قال سبحانه: "مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بـالله يَهْدِ قَلْبَهُ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم "

فما من مؤمن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله، وقدره فصبر، واحتسب، واستسلم لقضاء الله، إلا هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا.

قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: يَهْدِ قَلْبَهُ لِلْيَقِينِ فَيَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ

وفي تفسير قوله تعالى: {وبشر المخبتين} جاء عن سفيان قوله: "المطمئنين الراضين بقضائه، المستسلمين له".

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول: " اللهم إني أسألك الرضا بالقضاء " اخرجه أحمد

فلئن كان الصبر هو أن يحبس نفسه، ويمنعها من التسخط، ويحبس لسانه، ويمنعه من التشكي، ويحبس جوارحه، ويمنعها من المحرمات. فإن الرضا هو فوق حالة الصبر، فيكون بعد القضاء مطمئنًا منشرح الصدر لما نزل به.

ويالروعة القلب المؤمن الصادق النقي المستسلم لأمر ربه. يتلقى قضاءه فيصبر. ويكظم ألمه ويكتمه. وترشف دمعاته على خده من شدة المصيبة. لكنه لايقول سخطا أو يفعل تبرما.

بل يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه. وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. فيسكن للقضاء. ويهدىء نفسه ويرضيها بأمر الله سبحانه. ويطمئنها بالثواب والعقبى الحسنة.

رأى علي بن أبى طالب رضي الله عنه أحد المبتلين فقال له: "يا عدي إنه من رضي بقضاء الله جرى عليه فكان له أجر، ومن لم يرض بقضاء الله جرى عليه فحبط عمله".

وعن أبي مجلز أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "ما أبالي على أي حال أصبحت على ما أحب أو على ما أكره؛ لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره".

روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أم سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ الله: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللهمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ الله لَهُ خَيْرًا مِنْهَا، قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، ثم إني قُلْتُهَا فَأَخْلَفَ الله لِي رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم"

وعن أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "وَارْضَ بِمَا قَسَمَ الله لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ" الترمذي.

إن مجرد شعور الإنسان بالضيق وعدم التحمل، وتمنيه أن ما وقع به من الشدة لم يكن وقع. كل هذا لا ينافي الصبر، مادام لم يعص ربه بقول أو فعل.

وأما الراضي. فلا يجد ذلك الضيق والألم ؛ لأنه يتقلب فيما يختاره الله بنفس راضية مطمئنة. فيكون الأمران عنده سواء بالنسبة لقضاء الله وقدره، وإن كان قد يحزن من المصيبة ؛ فالكل عنده سواء لتمام رضاه بربه سبحانه وتعالى

وعلامة الرضا أمران:

عدم الندم على الماضي كما في الحديث "إِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ الله وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ"مسلم

وان يعلم أن الخيرة فيما اختاره الله، " وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ "

والوصول لدرجة الرضا ممكن وإن كان مجهدا ويحتاج إلى قدرة قلبية خاصة. يمن الله بها على عباده المقربين الصالحين.

ولقد علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن السعي والمجاهدة لنيل الدرجات هو السبيل إليها فيقول: "من تصبر صبره الله". وكذلك من جاهد نفسه لينال درجة الرضا رضاه الله سبحانه ولذلك فعلى المؤمن لينال تلك المرتبة أن يعلم أمورا:

منها أن الله سبحانه لن يختار لعبد ه المؤمن إلا الخير كما في الحديث "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير" اخرجه مسلم

ومنها أن يعلم أن ماأصابه سبب لتكفير خطاياه وذنوبه كما في الحديث. " لا يزال الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى الله وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ" رواه الترمذي

ومنها أن يعلم لطف الله سبحانه به وأنه قد ابتلاه بما يقدر عليه . ويعلم أن الله سبحانه قد ابتلاه ليقربه إليه بذكره ودعائه ورجائه. وزيادة ثوابه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ " رواه الترمذي.

وقدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة، وكان قد كُفَّ بصره، فجاءه الناس يهرعون إليه، كل واحد يسأله أن يدعو له، فيدعو لهذا ولهذا، وكان مجاب الدعوة. قال عبد الله بن السائب: فأتيته وأنا غلام، فتعرفت عليه فعرفني وقال: أنت قارئ أهل مكة؟ قلت: نعم.. فقلت له: يا عم، أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك، فردَّ الله عليك بصرك. فتبسم وقال: يا بُني قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"