بقلم : علي محمد اليافعي الجمعة 24-06-2016 الساعة 12:55 ص

زيد بن حارثة.. حِبُّ رسول الله

علي محمد اليافعي

من يستطيع أن يمنع نفسه من أن تحب، أو من يستطيع العيش في الحياة من غير عاطفة الحب؟ ذلك بلا ريب إنسان لا قلب له ولا وجدان، يحيا عمره تعيسا شقيا محروما، لا تنعم نفسه بأرقى المشاعر، وأسمى الأحاسيس الإنسانية، مما يمتاز به بنو آدم، وخُصوا به من بين سائر المخلوقات. الحب بمفهومه السامي الذي نزلت الديانات السماوية لتوقظ معانيه في نفوس الخلق، لينتشر ويعمّ فيض خيره في الأرض، بل لقد جاء الدين يدعو إلى المحبة والوِداد، كما دعا إلى الإيمان، وقرر أنه لا إيمان من غير حب، حتى كأن المؤمن لا يدخل جنة الآخرة، إن لم تدخل نفسه في الدنيا جنة الحب.

في قصتنا التي نحكيها سنعرض لجانب من جوانب الحب الكثيرة المتعددة في حياة خير خلق الله، سيدنا رسول الله، عليه الصلاة والسلام، جانب فيه أيضا صورة من صور رحمته وبره وكرمه، مما كان يفيض من نفسه العظيمة، نعرض ذلك من خلال سيرة حياة الصحابي زيد بن حارثة، رضي الله عنه، زيد حِبُّ رسول الله، كما لقب، أو زيد بن محمد، كما كان يدعى قبل أن يُبطل الوحي عادة التبني، زيد الصحابي الوحيد الذي ذكر اسمه صراحة في القرآن الكريم، زيد الذي أنعم الله عليه، وأنعم كذلك عليه رسوله الكريم. فمن هو زيد؟ وما هي قصته؟. ولد زيد لأبوين كريمين، وكما هي طبيعة الحال عند الأزواج، فرح حارثة وزوجه بمولودهما، وجعلا يعتنيان به، ويغمرانه بعطفهما وحنانهما، وتمر الأيام والسنوات هادئة هانئة على حارثة وزوجه، وابنهما زيد يكبر عندهما شيئا فشيئا، إلى أن جاء يوم بدا فيه لأم زيد أن ترحل لزيارة أهلها، مصطحبة طفلها الصغير، فقام حارثة بتهيئة الراحلة والزاد لهما، وخرج في وداعهما مع القافلة المسافرة من قومه إلى حيث ديار أهل زوجته، وأحس حارثة بشيء ليس بقليل من حزن الفراق، وخوف الوداع، حتى كأن قلبه يوسوس له بحدوث مكروهٍ يصيبهما. انطلقت القافلة بزيد وأمه التي كانت تحتضنه، وفي أثناء سيرها قاطعة الصحراء، تعرّض للقافلة طائفة من اللصوص قطاع الطريق، فهجموا على القافلة وسطَوْا عليها، واستلبوا ما فيها، وأخذوا فيما أخذوا، زيدا وخطفوه من بين يدي أمه، التي باتت والهة مُدلَّهة. بلغ هذا النبأ حارثة، فطار لبه وكاد يقضي حزنا وألما، وما علم ما يفعل، إنها كارثة على حارثة، الذي صمم على الخروج والتجوال في الفَيافي والبراري، بحثا عن ابنه، مهما لقي في سبيل ذلك من المشقة والعناء، إذ كان همه العثور على ابنه الصغير، ومعرفة مصيره، وما هي حاله، أهو حي فيرجى، أم أتى عليه الأجل.

كان قطاع الطريق انطلقوا بزيد نحو مكة ليبيعوه في أسواقها الرائجة، فلما بلغوها، عرض عليهم شراءه حكيم بن حزام، فوافقوا على بيعه له، ونقَدَهم الثمن، وذهب حكيم بالغلام الحَدَث إلى داره، ثم إنه وهَبَه لعمته السيدة خديجة بنت خويلد، ومكث عندها زيد، حتى تزوجت من محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قبل أن يبعث رسولا، ثم وهبت له زيداً، فتقبله بقبول حسن، وهو الرؤوف الرحيم بالناس جميعا. نشأ زيد في خير كَنَف، في معية خير البشر، فوجد ما يجده الأبناء عند آبائهم الصالحين، بل وجد أفضل وأحسن من ذلك بكثير، وكيف لا وهو في جنب نفس على خلق عظيم، نفسٍ يهيئها الله لحمل أعظم رسالة، لتبليغها للعالمين. بعد حين من الزمن علم حارثة، بمكان ولده ومقامه، عن طريق الذين يفدون على مكة لزيارة البيت العتيق، فما إن أُبلغ بذلك حتى حزم أمتعته، واستعد للسفر إلى مكة بصحبة أخيه، فأتياها وأخذا يسألان عن محمد بن عبد الله، من بني هاشم، فقال لهما الناس، إنه الصادق الأمين، فدلوهما عليه، فمضيا إليه يريدان مساومته على إعتاق زيد مقابل الفداء، فلما التقيا به، قال له والد زيد: يا بن عبد المطلب، أنتم أهل الحرم، تفكون العاني، وتطعمون الأسير، جئناك في ولدنا، فامنن علينا، وأحسن في فدائه. فقال لهم عليه الصلاة والسلام: أوَ أحسن من ذلك؟. قال: وما ذاك يا بن عبد المطلب؟. قال: أخيره بيني وبينكم، فإن اختاركم فهو حر لوجه الله، وإن اختارني فهو مني بمنزلة الولد، يرثني وأرثه. سُرّ حارثة حين سماعه هذا القول الذي أدهشه، ولم يكن يتوقعه، فقال فَرِحا: لقد أنصفت، وزدت على النَّصف. ثم دُعي إليهم زيد فأتى وعرف أباه وعمه، وقام إليه أبوه فاعتنقه وقبله، ثم خيره رسول الله بين البقاء معه، أو الذهاب مع أهله، فقال زيد من فوره: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت الأب والعم. حينئذ خرج به رسول الله، إلى معشر القوم، حيث يجتمعون عند الكعبة، وأعلن تبنيه له قائلا: اشهدوا أن زيدا ابني، يرثني وأرثه. فصار يدعى زيد بن محمد، ومن يومئذ أحبه رسول الله محبة تفوق محبة الأب لابنه، حتى لقب فيما بعد بزيد الحِب، أيْ حبيب رسول الله. لما اصطفى الله محمداً بالرسالة الخاتمة، وابتعثه للناس جميعا بشيرا ونذيرا، كان زيد من أوائل المسلمين الأولين الذين لبوا دعوة النبي الكريم، واستجابوا لنداء الله لهم بوحي السماء، وتحمل زيد تبعات الدين الجديد، الذي آمن به، وهو في ريعان شبابه، واكتمال رجولته، فرأى رسول الله من الخير أن يزوج ابنه بالتبني، فشاء القدر أن يختار له زينب بنت جحش، ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب، زينب ذات الحسب والنسب، المزدانة بجمالها وحسنها، ومكانتها في قومها، حتى جعلها ذلك ترد الكثير من الخاطبين، إذ رأتهم ليسوا لها أكفاء، أفترضى بعد ذلك بالزواج من زيد المولى المتبنى في قومه، كيف يكون ذلك؟ والقوم خارجون من مدة ليست بالطويلة من عادات وأعراف المجتمع الجاهلي.

عرض النبي الأمر عليها وعلى أخيها عبد الله، ففوجئت بما عُرض عليها، وكادت تُعرض عنه، وترفضه وتأباه، لولا أنها عَقِلت أمرها، وعلمت أنها أمام طلب أتاها من رسول الله (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعصِ الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا)، ففوضت أمرها إلى الله، ووافقت على هذا الزواج على مضضٍ، الذي لله فيه حكمة، ثم زُفت إلى زيد وانغلق عليهما باب الدار.

إن مقدمة هذا الزواج لتدل على نتيجته التي يفضي إليها، فما كان لزواج يكتب له الاستقرار والنجاح، ليَتمَّ من غير إيجاب وقبول كاملين، نابعين من صميم الفؤاد لدي الزوجين، ولا يتم ذلك ويتحقق إلا عند التكافؤ أو ما يقاربه، بحيث يحصل الرضا المتبادل، لذلك دبّ التنافر بين زيد وزينب، بدل التقارب، فما وجد زيد من حيلة للإصلاح إلا الذهاب إلى رسول الله، ليشكو ما يلقاه من هذا الزواج، فنصحه الرسول وأمره بأن يمسك عليه زوجه. في تلك الأيام نزل تحريم الإسلام لعادة التبني، بقرآن يتلى (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله). فعاد زيد يدعى إلى أبيه حارثة، وكان أيضا من أعراف أهل الجاهلية، ألا يتزوج الرجل من مطلقة من يتبناه، وأراد الإسلام كذلك أن يبطل هذا العرف، فعندما جاء زيد إلى رسول الله يشكو إليه مرة أخرى، كان أمر النبي له بالطلاق، فطلق زيد زينب، مُنهيا ذلك الزواج الذي لم يلق فيه الاثنان مودة ولا سعادة، ثم قضت زينب عدتها وتزوجها رسول الله، لتتم إرادة الله ويَنفذَ قضاؤه، الذي لا مردَّ له، وفق حكمته جل وعلا.

نزلت على إثر ذلك آيات القرآن قائلة في هذه الحادثة من سورة الأحزاب (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتقِ الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرجٌ في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا). والذي كان يخفيه في نفسه عليه الصلاة والسلام، هو زواجه من زينب، الذي قضاه الله، وأعلمه إياه بالوحي، وكان يخشى أن يتحدث الناس قائلين: تزوج مطلقة ابنه بالتبني. ولكن الله يجيب عن نبيه حيث قال في القرآن:(ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين).

شوق الحبيب إلى حبيبه

في العام الثامن من الهجرة يجهز رسول الله جيشا لملاقاة الروم في معركة مؤتة، وأمّر عليه زيد بن حارثة، فقد كان لا يبعثُ زيدا في جيش قط، إلا أمّره عليه، واستشهد هنالك زيد الحِب، فبكى عليه النبي وحزن، وأتى أهله يواسيهم، ويخفف عنهم وقع المصاب، فجَهَشَت في وجهه بنت زيد، ففاض دمع رسول الله حتى انتحب، وكان معه سعد بن عبادة، رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله، ما هذا؟ فقال عليه صلوات الله وتسليماته «هذا شوق الحبيب إلى حبيبه».

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"