بقلم : محمود القاسمي الجمعة 24-06-2016 الساعة 12:59 ص

الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (1-2)

محمود القاسمي

للصلاة على الني صلى الله عليه وسلم فوائد عديدة منها: -

(1) الامتثال لأمر الله - تعالى-: لقوله تعالى: (إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه، أنه قَالَ: أَتَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ: بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا الله أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ الله فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّا لَمْ نَسْأَلْهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (قُولُوا: اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ).

الشاهد من الحديث: قول بشير بن سعد رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: أَمَرَنَا الله تعالى أَنْ نُصَلِّىَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله! فَكَيْفَ نُصَلِّى عَلَيْكَ؟، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم له على ذلك.

(2) موافقة الله سبحانه وتعالى وملائكته في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم: وإن اختلفت الصلاتان، فصلاتنا والملائكة عليه دعاء وسؤال، وصلاة الله تعالى عليه ثناء وتشريف كما تقدم، وقد قال الله تعالى: (إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)

(3) صلى الله عليه بها عشرًا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ صَلَّى على وَاحِدَةً، صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا).

(4)أن يسلم الله عليه عشرًا: عَنْ عبد الله بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالْبِشْرُ يُرَى فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: (إِنَّهُ جَاءَنِي جِبْرِيلُ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أَمَا يُرْضِيكَ يَا مُحَمَّدُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَلَا يُسَلِّمَ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا). فيه دليل على أن السلام عليه صلى الله عليه وسلم كالصلاة، وأن الله سبحانه يسلمعلى من سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يصلي على من صلى علىرسوله عشرًا.

(5)عشر صلوات من الله - تعالى- لعبد ه ويحط عنه عشر سيئات ويرفعه بها عشر درجات: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ صَلَّى على صَلَاةً وَاحِدَةً، صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ).

(6) أن يرد الله عليه مثلها: عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمًا طَيِّبَ النَّفْسِ يُرَى فِي وَجْهِهِ الْبِشْرُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! أَصْبَحْتَ الْيَوْمَ طَيِّبَ النَّفْسِ يُرَى فِي وَجْهِكَ الْبِشْرُ، قَالَ: (أَجَلْ أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي عز وجل فَقَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ مِنْ أُمَّتِكَ صَلَاةً، كَتَبَ الله لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَهَا).

(7) صلاة المخلصين وثواب المحسنين: عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه، وَكَانَ بَدْرِيًّا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ صَلَّى على مِنْ أُمَّتِي صَلاَةً مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ، صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَرَفَعَهُ بِهَا عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَكَتَبَ لَهُ بِهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ).

(8) صلاة الملائكة عليهم السلام على من صلى على خير الأنام صلى الله عليه وسلم: عَنْ عبد الله بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّى عَلَىَّ، إِلاَّ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلاَئِكَةُ مَا صَلَّى عَلَىَّ، فَلْيُقِلَّ الْعبد مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِيُكْثِرْ).

(9) من أسباب إخراج الله للعبد من الظلمات إلى النور: لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) وقد تقدم أن من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عز وجل عليه. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: إن الذكر يوجب صلاة الله عز وجل على الذاكر، ومن صلى الله عليه وملائكته فقد أفلح كل الفلاح، وفاز كل الفوز، قال سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا الله ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا)، فهذه الصلاة منه تبارك وتعالى ومن ملائكته إنما هي سبب الإخراج لهم من الظلمات إلى النور، وإذا حصلت لهمالصلاة من الله تبارك وتعالى وملائكته، وأخرجوهم من الظلمات إلى النور، فأي خير لم يحصل لهم، وأي شر لم يندفع عنهم؟ فيا حسرة الغافلين عن ربهم، ماذا حُرموا من خيره وفضله، وب الله التوفيق. وعن بكر القشيري: قال: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من الله تشريف وزيادة تكرمة وعلى من دون النبي رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين سائر المؤمنين حيث قال الله تعالى: (إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)، وقال قبل ذلك في السورة المذكورة: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)، ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبيصلى الله عليه وسلم من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم والتنويه به ما ليس في غيرها.

(10) من أسباب دخول الجنة: عَنِ الْحُسَينِ بْنِ على - رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَخَطِيءَ الصَّلاَةَ عَلَىَّ خَطِئ طَرِيْقَ الْجَنَّةِ). وذكر ابن القيم رحمه الله: أنها ترمى صاحبها على طريق الجنة وتخطئ بتاركها عن طريقها.

وقال محمد فؤاد عبد الباقي: قوله: (خَطِئ) أي الأعمال الصالحة طرق إلى الجنة، والصلاة من جملتها، وتركها كلية ترك لطريق الجنة، أي لطريقها. وأقول: بمفهوم المخالفة عند العلماء يتبين لنا كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (خَطِئ طَرِيْقَ الْجَنَّةِ) لمن نسيالصلاة عليه، فدل ذلك على أن لزوم الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم من الأعمال الصالحة التي ثوابها دخول الجنة، وهذا مما دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لأُبَيِّ بن كعب: (إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ)، ولاشك أن من أعظم ما يهم المؤمن أن يدخله الله الجنة، وأن ينجيه من النار، وذلك لقوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) ولقوله تعالى عن المؤمنين: (وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ)، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في قوله، وفعله، وإقراره، فَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ: (مَا تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: أَتَشَهَّدُ، ثُمَّ أَسْأَلُ الله الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ النَّارِ، أَمَا والله مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ. فَقَالَ: "حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ). وأيضًا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (وَأَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ، وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ،...)

(11) يُدرك شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ صَلَّى على حِيْنَ يُصْبِحُ عَشْرًا، وَحِيْنَ يُمْسِي عَشْرًا، أَدْرَكَتْهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى علىّ، أو سأل ليّ الوسيلة، حقت عليه شفاعتي يوم القيامة)).

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله صلى الله عليه وسلم: (سَلُوا الله لِي الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسأَلهَا لِي عبد فِي الدُّنْيَا، إِلاَّ كُنتُ لَهُ شَهِيدًا، أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ).

(12) تُكفى همك ويُغفر لك ذنبك: عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا الله، اذْكُرُوا الله، جَاءَتْ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ قَالَ أُبَيٌّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: مَا شِئْتَ "قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ "قُلْتُ: النِّصْفَ؟ قَالَ: "مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ "قَالَ قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: "مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ "قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ). قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وسُئل شيخنا أبو العباس بن تيمية- رضي الله عنه تفسير هذا الحديث، فقال: كان لأُبَيِّ بن كعب دعاء يدعو به لنفسه، فسأل النبي صلىالله عليه وسلم: هل يجعل منه ربعه صلاة عليه صلى الله عليه وسلم؟ فقالصلى الله عليه وسلم: (إن زدت فهو خير لك، فقال له النصف. فقال صلى الله عليه وسلم: فإن زدت فهو خير لك، إلى أن قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ أي أجعل دعائي كله صلاة عليك، قال- صلى الله عليه وسلم-: إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ) لأن من صلىعلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ومن صلى الله عليه كفاه همه، وغفر له ذنبه، هذا معنى كلامه.

(13) إجابة الدعاء: أن يدعو الله بعد إجابة المؤذن وصلاته على النبي -صلى الله عليه وسلم- وسؤاله له الوسيلة: عَنْ عبد الله بْنِ عَمْرٍو - رضي الله عنهما-: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنَا، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: (قُلْ كَمَا يَقُولُونَ، فَإِذَا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَهْ).

وعَنْ فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - قال: بَيْنَا رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قَاعِدًا، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، فَقَالَ: اللهمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: (عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّي، إِذَا صَلَّيْتَ فَقَعَدْتَ، فَأحمد الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَصَلِّ عَلَيَّ، ثمَّ ادْعُهُ، قَالَ: ثُمً صَلَّى رَجُلٌ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحَمِدَ الله، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: أَيُّهَا الْمُصَلِّي، ادْعُ تُجَبْ). وعَنْ عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي وَالنَّبِيُّ -صلىالله عليه وسلم- وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَدَأْتُ بِالثَّنَاءِ عَلَى الله، ثُمَّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم-، ثُمَّ دَعَوْتُ لِنَفْسِي. فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ).

(14) محبة الله للعبد المصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم- لإيثاره محاب الله علىطلب حوائجه: يقول ابن القيم في الفائدة الأربعين للصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم-: "أن الصلاة عليه -صلى الله عليه وسلم-من العبد هي دعاء، ودعاء العبد وسؤاله من ربه نوعان:

أحدهما: سؤاله حوائجه ومهماته، وما ينوبه في الليل والنهار، فهذا دعاء وسؤال؛ وإيثار لمحبوب العبد ومطلوبه.

والثاني: سؤاله أن يثنى على خليله وحبيبه، -صلى الله عليه وسلم-ويزيد في تشريفه وتكريمه وإيثاره ذكره ورفعه، ولا ريب أن الله يحب ذلك ورسوله يحبه، فالمصلي عليه -صلى الله عليه وسلم- قد صرف سؤاله ورغبته وطلبه إلى محاب الله - تعالى- ورسوله، وآثر ذلك على طلبه وحوائجه ومحابه هو، بل كان هذا المطلوب من أحب الأمور إليه وآثرها عنده، فقد آثر ما يحبه الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- على ما يحبه هو، وقد آثر الله ومحابه على ما سواه، والجزاء من جنس العمل، فمن آثر الله على غيره، آثره اللهعلى غيره، واعتبر هذا بما تجد الناس يعتمدونه عند ملوكهم ورؤسائهم إذا أرادوا التقرب والمنزلة عندهم، فإنهم يسألون المطاع أن ينعم على من يعلمونه أحب رعيته إليه، وكلما سألوه أن يزيد في حبائه وإكرامه وتشريفه، علت منزلتهم عنده، وازداد قربهم منه، وحظوا بهم لديه؛ لأنهم يعلمون منه إرادة الإنعام والتشريف والتكريم لمحبوبه، فأحبهم إليه أشدهم له سؤالًا ورغبة أن يتم عليه إنعامه وإحسانه، هذا أمر مشاهد بالحس، ولا تكون منزلة هؤلاء ومنزلة من سأل المطاع حوائجه هو، وهو فارغ من سؤاله تشريف محبوبه والإنعام عليه واحدة، فكيف بأعظم محب وأجله لأكرم محبوب وأحقه بمحبة ربه له؟، ولو لم يكن من فؤائد الصلاة عليه إلا هذا المطلوب وحده، لكفى المؤمن به شرفًا.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"