بقلم : نعيم محمد عبد الغني الجمعة 24-06-2016 الساعة 01:24 ص

العذاب الغليظ

نعيم محمد عبد الغني

من المتشابهات في آيات القرآن وصف العذاب بأنه غليظ، وقد ورد ذلك في أربعة مواضع هي:

1 — سورة هود قوله تعالى: (ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ) الآية 58.

2 — سورة إبراهيم قوله تعالى: (يتجرّعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ) الآية 17.

3 — سورة لقمان قوله تعالى: (نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ) الآية 24.

4 — سورة فصلت قوله تعالى: (ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ) الآية 50.

والسؤال لماذا وصف العذاب بأنه غليظ في الآيات السابقة، ولم يأخذ وصفا آخر من أوصاف العذاب التي وردت في القرآن؟

إن كلمة الغليظ في مجمل معانيها اللغوية تعني الخشن والصعب، والمفسرون في تفسيرها على رأيين: الأول أن المراد من العذاب الغليظ أنه دائم غير منقطع، والثاني أنه في كل وقت يستقبله يتلقى عذابا أشد مما قبله، قال المفضل هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد. (انظر مثلا: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الأندلسي ج3/ص331)، وقال الزمخشري: "ووصف العذاب بالغليظ مبالغة فيه"، وقال أبو السعود: "عذاب غليظ يستقبل كل وقت عذابا اشد واشق مما كان قبله ففيه دفع ما يتوهم من الخفة بحسب الاعتياد كما في عذاب الدنيا وقيل هو الخلود في النار وقيل هو حبس الأنفاس"5/39"، وقال ابن كثير: "ومن ورائه عذاب غليظ أي وله من بعد هذه الحال عذاب آخر غليظ أي مؤلم صعب شديد أغلظ من الذي قبله وأدهى" تفسير ابن كثير ج2/ص52، وفي تفسير الثعالبي: "ومن ورائه عذاب غليظ، قال الفضيل بن عياض العذاب الغليظ حبس الأنفاس في الأجساد وفي الحديث تخرج عنق من النار تكلم بلسان طلق ذلق لها عينان تبصر بهما ولها لسان تكلم به فتقول إني أمرت بمن جعل مع الله إلها آخر وبكل جبار عنيد وبمن قتل نفسا بغير نفس فتنطلق بهم قبل سائر الناس بخمس مائة عام فتنطوي عليهم فتقذفهم في جهنم خرجه البزار انتهى من الكوكب الدري"2/277"، وفي تفسير السعدي 1/424: "عذاب غليظ" أي قوي شديد لا يعلم وصفه وشدته إلا الله تعالى.

ونخلص من الآراء السابقة أنها متقاربة وتكاد تتفق على أن العذاب الغليظ هو الذي لا ينقطع، وقد يكون جزاء من العذاب العظيم الذي تحدثنا عنه أمس، ولكن العذاب العظيم قد ينقطع، وأما الغليظ فإنهم يكادون يتفقون على أنه عذاب مستمر، فما الدليل على استمرار هذا العذاب خاصة أن لفظ غليظ لا توحي بذلك، فقد يكون العذاب غليظا خشنا في وقت ثم ينقطع؟!

والحق أن السياق وحده هو الدليل الذي بين أيدينا؛ حيث ورد العذاب الغليظ في سياقين: الأول وصف ما حل بقوم هود من عذاب، حيث قال الله تعالى ونجيناهم من عذاب غليظ، ثم سياق الوعيد لأهل النار والآية التي قد تدلنا على استمرارية العذاب لهم قوله تعالى: نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ، فجعل القلة مقابل الغلظة، ومن هنا يمكن أن نفهم أنه عذاب كثير ولا نقول أيضا أنه عذاب مستمر.

أما قوله تعالى ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ أو ولنذيقنهم من عذاب غليظ، فلم أتمكن من فهم استمرارية العذاب، أو استنباط حبس الأنفاس كما ورد في كتب التفسير، ويبقى التشابه في هذه الآيات موضع تأمل ونظر ويحتاج إلى مزيد دراسة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"