بقلم : علي محمد اليافعي السبت 25-06-2016 الساعة 12:44 ص

التاجر المجاهد.. عبد الرحمن بن عوف

علي محمد اليافعي

عادة ما يكون الثراء في طبيعة الإنسان، سببا للكبر والطغيان، وكثيرا ما يجلب التيه والخُيلاء، ويوقع النفس الإنسانية، في الغفلة والاستعلاء، والدليل على ذلك الآية الكريمة:(كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)، ولكن ذلك بعيد كلَّ البعد عن النفس المؤمنة بربها إيمانا كاملاً صادقا، يخالط القلب ويتشرّبه، ويملك عليه جميع أمره، حتى تصيرَ النفس زكية خيّرة بإيمانها، فيكون صاحبها مؤمنا حقا، كذلك هو حال الصحابي عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، الذي كان ثريا من أعظم أثرياء المدينة المنورة، وكان أيضا جوادا من أكرم أجوادها، وهو لم ينل ثروته ويكسبها أبا عن أبٍ، بل عملا بعد عمل، ونتيجةَ سعي وجهد في مجال التجارة، التي كان فيها موفقا مسددا، بفضل الله عليه، كما سيأتي معنا. أسلم مبكرا فكان أحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، ثم هاجر مع من هاجر إلى الحبشة، فرارا بدينهم وأنفسهم، من الاضطهاد والإيذاء، على أيدي كفار قريش، ثم عاد إلى مكة ليهاجر من بعدُ إلى المدينة، التي هاجر إليها رسول الله، عليه الصلاة والسلام، فخرج عبد الرحمن بن عوف، من مكة وهو لا يملك شيئا من متاع الدنيا، اللهم إلا ما يبلغه المحلَّ، غير أنه يملك روحا قوية متوكلة على ربها عز وجل، روحا لا تعدل بالإيمان والإسلام شيئا أبدا، مهما عظم وكبر. لما قدم رسول الله المدينة، أخذ يؤاخي بين المهاجرين، وإخوانهم الأنصار، فآخى بين عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع الأنصاري، الذي فعل كسائر الأنصار، ممن بذلوا للمهاجرين ما يملكون، وآثروهم على أنفسهم، فقال لعبد الرحمن: أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر مالي فخذه. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في مالك وأهلك، دُلني على السوق. فدله على السوق، فانطلق إليه، وجعل ينظر ويبحث، وهو معه دراهم قليلة، ويفكر فيما يقدم عليه، سائلا المولى القدير، العون والهداية، ثم إنه شرع يشتري ويبيع، ويكسب في كل بيعة وصفقة يجريها ويتمها، متحريا الحلال، مجتنبا الحرام، صدوقا مع الناس أمينا، هذا هو دأبه ودَيْدنه، ومع توالي الأيام ربحت تجارته، وأقبل عليه المال، وكثر في يده، وانثالت عليه الأرزاق وافرة جمة، حتى كأن السماء تمطر عليه ذهبا وفضة، حتى إنه ليحدثُ عن مبلغ ما يصيبه من الخير، وما يدركه من التوفيق، فقال:(لقد رأيتُني لو رفعت حجرا، لرجوت أن أصيب تحته ذهبا أو فضة)، ولا بِدْع في هذا ولا عجب، فذلك فضل الله الذي يرزق من يشاء من عباده بغير حساب، وهو ذو الفضل العظيم. إذن فقد عظمت ثروات ابن عوف، من جميع الأموال، صامتها وناطقها، حتى أصبح واسع الثراء، وفير الغنى، فما تُراه فعل بأمواله تلك؟ هل ادخرها واكتنزها؟ أم هل احتازها لنفسه وأهله فقط، أم هل صار- معاذ الله- عبدا للمال، والمال هو سيده المطاع المخدوم؟ فراح يجمعه ويعدده، بحرص وبخل وجشع، أم تُراه ماذا صنع؟. لقد أدرك عبد الرحمن، أن المال فتنة للإنسان، يبتلي الله به الناس، وأنه سبحانه هو الذي آتاهم إياه، وجعلهم مالكين له، من غير حول منهم ولا قوة، وإن بدا للناس غير ذلك، وهما وخداعا وغرورا، من النفس والشيطان، مما في أيديهم من الأسباب الظاهرة التي يتوسلون بها إلى الغنى. وعلم ابن عوف أن للمال حقوقا واجبة الأداء، فرضا حتما على من يخاف ربه، ويخشى عقابه، حقوق يعود بها صاحب المال على من لا مال له، فيشرك فيما يملك كل محروم وفقير ومسكين. وعلم ابن عوف، أنه ليس ينفعه من ماله ولا يبقى له إلا ما قدمه في سبيل الإحسان والبر والمعروف، مما يدخل في باب الصدقات، التي لها ظل ظليل يوم الحساب، يكون بمقدار قيمتها وقدرها، إذ ما تقرب عبدٌ إلى ربه بخير ولا أفضلَ من تأديتها وبذلها سرا وعلانية. كان يسمع ويتلو قول الله تعالى:(من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجرٌ كريم)، فتهتز نفسه، ويرتجف بدنه، فمن بنو آدم كلهم حتى يقرضوا الله العظيم جل جلاله، وهو الغني مالك الملك، له ما في السموات وما في الأرض، وما بينهما وما تحت الثرى، فكان عندئذٍ يسارع في الإنفاق والإعطاء، ثم ينظر كلَّ ما أنفقه قليلا في جنب ما أنعم الله عليه، بل كان يستحي ويخجل، إذ يرى أن الله يعود عليه بأضعاف ما ينفق في الدنيا، ويكافئه عليه، هذا إلى غير الذي يدخره له في الآخرة من أجر المنفقين المحسنين، الذين يحبهم الله. إذن فقد تحقق في علم عبد الرحمن بن عوف، من أن في المال جهاداً، هو إنفاقه في مرضاة الله، وتحقق في علمه أولا، أنه مسؤول يوم الحساب، عن ماله سؤالا ليس بيسير، لأنه سؤال يتوقف عليه ويتعين المصير، فإما إلى نعيم، وإما إلى جحيم، ذلك سؤال يتألف من شقين اثنين هما: من أين اكتُسب المال؟ وفيمَ أُنفق المال؟. لذلك جعل ابن عوف من نفسه تاجرا فطنا ذكيا، لا في معاملات الأسواق فحسب، ولكن أيضا في معاملات بني الإنسان، رافعا شعار: البرُّ خير تجارةٍ رَباحاً. أجل كذلك هو البر لَعَمْر الله، تجارة لن تبور، البر الذي هو جوهر كل الأديان ودعوتها. ولولا البرُّ لم يُبعثْ رسولٌ ولم يَحملْ إلى قومٍ كتابا أقبل عبد الرحمن على الناس ذوي الحاجات، فكفّ عنهم ما استطاع المسألة، وأبعد عنهم الفاقة، حتى قيل إن أهل المدينة جميعا شركاء له في ماله: ثلث يقرضهم، وثلث يقضي عنهم ديونهم، وثلث يصلهم ويعطيهم. وفي حياة رسول الله، رُوي أنه تصدق بشطر ماله، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، وفي يوم آخر، قدّم لجيش المسلمين خمسمئة فرس، ومرة قدم ألفا وخمسمئة راحلة في سبيل الله. ولما اختار النبي أن يلحق بالرفيق الأعلى، كان عبد الرحمن يصل أمهات المؤمنين، رضي الله عنهن، بأعظم الهبات، وأجزل الأعطية، فمرة باع أرضا له بأربعين ألف دينار، فقسم ذلك المال، في فقراء بني (زُهرة) أقربائه، وفي أمهات المؤمنين، وفي ذوي الحاجة من الناس، وبعث إلى عائشة، رضي الله عنها، بنصيبها فقالت: أمَا إني سمعت رسول الله يقول:(لن يحنو عليكن بعدي إلا الصابرون)، وقالت:(سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة). وأوصى في حياته لكل من بقي ممن شهد بدرا، بأربعمئة دينار، وأخذ فيمن أخذ، عثمان بن عفان، الغني المستطيع، والكريم الجواد، قائلاً: (إن مال عبد الرحمن، حلالٌ صفو، وإن الطُعمة منه عافية وبركة). المبرَّة العظمى يذكر المؤرخون لعبد الرحمن بن عوف، هذه المبرَّة العظمى، وهي أنه كان له قافلة عظيمة قادمة من الشام، تقدر بسبعمئة راحلة، مُوقَرَة بالأحمال من كل شيء، ارتجت لها المدينة، حين دخولها، فقام الناس يتحدثون عنها، ويكثرون الأحاديث والأقاويل، وكانوا في وقت حاجة وعَوَز، فما كان من ابن عوف إلا أن جعلها مفرقة مقسمة في أهالي المدينة، الذين غمرتهم الفرحة، ودخلهم السرور، وباتوا ليلة كليلة العيد، وهم يدعون لابن عوف بخير الجزاء.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"