محمد الشاذلي لـ"بوابة الشرق" : الطيب صالح قامة أدبية و لا يمكن تفادي التأثر به

ثقافة وفنون الأحد 26-06-2016 الساعة 12:59 ص

الروائي محمد سليمان الفكي
الروائي محمد سليمان الفكي
حاوره : عبدالبديع عثمان

أكد الكاتب والروائي السوداني محمد سليمان الفكي الشاذلي الفائز بجائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي أن إتقان اللغة والخيال والتجربة الشخصية تمثل المدخل لعالم الرواية . و أعرب الشاذلي لـ"بوابة الشرق" عن تأثره بالروائي العالمي الطيب صالح مشيراً إلى أن الطيب صالح قامة أدبية لا يمكن تفادي التأثر به.

"بوابة الشرق " حلقت مع الكاتب عبر هذا الحوار في أجواء الرواية العربية والعالمية ووقفت معه على تجربته الشخصية واعماله الأدبية.

في البداية أعطنا نبذة تعريفية عن محمد سليمان الفكي

أنا محمد سليمان الفكي الشاذلي من مواليد أم درمان جذوري من ناحية الوالد من الرميلة والعوامرة ضواحي أب قوتة ومن ناحية الوالدة من الشيخاب جنوب شندي وحائز على بكالريوس الآداب والتربية في اللغة الفرنسية من جامعة الخرطوم وترسخت تجربتي مع الكتابة منذ فوزي بالجائزة الاولى وأنا في المرحلة الاولى في الجامعة عن رواية "الودعات السبع" كما فزت كذلك وانا في الجامعة عن روايتي "القصة المحرمة".

حدثنا عن بداياتك مع الكتابة والرواية؟

بدأت الكتابة باكراً ولكن فوزي بالجائزة في الجامعة رسَّخ تجربتي وجعلني أنطلق كما أن لقائي في تلك الفترة بالروائي الكبير علي المك الذي كان راعيا للجائزة اعطاني دفعة الى الامام حيث بدأت أكتب بجدية وأذكر وانا في الطفولة فوزي بجائزة مجلة "سمير" من مصر حيث أتاني خطاب بعنوان والدي يخبرني بفوزي كما ان هناك كتابات كثيرة كتبتها في مرحلة ما قبل الجامعة.

ما هي مجموعة الأشياء التي شكلت عالمك الروائي ؟

أعتقد أن دراستي للقرآن في فترة مبكرة وصلتي القوية بالقرآن اعطتني الموسيقى والجرس فالقرآن شكل في داخلي النغمة و"النمة" التي ولجت من خلالها الى الكتابة، بجانب ذلك تأثرت بحصص المكتبة والكتب التي كنا نقرأها ونحن صغار حيث كنا نقرأ لطه حسين ونجيب محفوظ وغيرهما وكنت أدخر من مصاريف وجبة الإفطار لاشتري الكتب مثل كتابات محمد أحمد برانق وعطية الابراشي وغيرها . كل ذلك غرس في داخلي الحصيلة اللغوية حيث ان البناء الكتابي هو اللغة وبدون اللغة لن تستطيع الكتابة واللغة هي التي تعبر من خلالها عن ما يجيش بداخلك وهي مدار الذاكرة والخيال وبدون اللغة واجادتها لن تستطيع ان تبدع في الكتابة.

بمن تأثرت وكان له بصمة على اعمالك الادبية؟

تأثرت كثيرا بجدتي "حبوبة" ست البنات و كانت حافظة للقصص والروايات والأحاجي السودانية وبعض القصص من الذاكرة الشعبية وهذا المخزون الذي سمعته عنها في الصبا كبر معي واعاطني بعض الجنوح والخيال كما تأثرت بإبن خالتي عصام الذي كنا نقرأ معا حيث قرأنا لجبران خليل جبران ومجلات "صباح الخير" و"المجلة" وغير ذلك.

حدثنا عن كتاباتك الروائية وشخوصها؟

بدات بالقصة القصيرة وفيما بعد انتقلت للرواية حيث ألفت رواية "الاطلال الجديدة" و"حدث ذات مرة في دبي" ورواية "ظل الجنوب" التي تم نشرها باللغة الإنجليزية. كما ان هناك مجموعات قصصية مثل "طبيعية غير صامتة" و"بيتي بين الأموات" و "معا الى الموت" ومؤخرا "ساعات يهودية" التي صدرت بالانجليزية بالاضافة لرواية "جريمة قتل في الريف الانجليزي" . وأعتقد ان اكثر اعمالي الذي احدث ضجة هي رواية "السواد المر" والتي نشرتها في دبي حيث تحكي عن معاون الخليفة الذي طعنته صبية ايزيدية وهي رواية كبيرة الحجم والآن في طبعتها الثانية.

نلاحظ أن اغلب أعمالك الروائية كتبتها في الغربة ما تأثير الغربة على الكاتب؟.

هناك سبب عام فأغلب الكُتاب مثل شعراء المهجر كتبوا في الغربة فالغربة تخلق فيك الإحساس بالفقدان كما ان الحنين الى الماضي يصبح اقوى وعندما تكون بعيدا سترى المكان الذي نشأت فيه بشكل أوضح كما انك في الغربة ستكون ميالاً للجانب المشرق.

بالنسبة لشخصي انا خرجت من السودان عقب تخرجي من الجامعة مباشرة لذلك من الطبيعي ان تكون اغلب رواياتي خارج السودان فالوقت لم يمكنني من الكتابة بشكل اعمق اثناء وجودي بالوطن.

جانب من مؤلفات الروائي محمد سليمان الشاذلي

حدثنا عن روايتك "طبيعة غير صامتة" التي فازت بجائزة الطيب صالح الادبية؟.

صراحة أنا من المحبين للطيب صالح وهو من الذين تأثرت بهم وكانت بيننا صلة قوية واسرية فالطيب صالح لا يمكن تفادي التأثر به ولذلك ومن الطبيعي أن أتاثر به وعندما تقدمت للجائزة كانت لرغبة أن يرتبط أسمي بالطيب صالح وبعد مشاركتي أتاني خطاب يخبرني بفوزي بالجائزة وذلك في العام 2013 ولم يكن هذا اول فوز لي وقبلها فزت بأول جائزة في جامعة الخرطوم.

الطيب صالح لم يكن من المكثرين ولكن ما كتبه كان جيداً وهذا يدلل على ان الابداع ليس بالكثرة وكتباته تميزت بالعمق .والتأثر بالأدباء لا مناص منه لانك من الطبيعي أن تتأثر بمن تقرأ له و حتى التاريخ العربي الادبي مليئ بهذا التأثر بين الأدباء والشعراء. ومن الطبيعي أن تتأثر حتى بمن حولك في المجتمع وفي الحقيقة أنا تأثرت بجدتي "حبوبة" ست البنات وهي من قبيلة الشايقية وهي قبيلة ذات ثقافة فنية مؤثرة و لها تراث ضخم في الشعر والغناء والأدب كما تأثرت بالوالدة وهي تحفظ القصص وتحاول الشعر أحياناً.

كيف ترى الرواية السودانية والعربية حالياً ؟

الرواية السودانية شأنها شأن الرواية العربية وهناك انتاج كبير وضخم ولكن لم يحدث تجاوز لما تم انتاجه في الماضي فالكُتاب الكبار مثل الطيب صالح ونجيب محفوظ ويوسف ادريس لا زالوا مسيطرين على المشهد.

وهل تستطيع الرواية العربية أن تتجاوز هذه القمم الأدبية؟

هذا هو التحدي بالعكس كثرة الكتابة جعلت أغلب الروائيين يستسهلوا الكتابة وهناك أعمال كثيرة ولكن لا يوجد بها ابداع وجهد ولذلك نجد أن الرواية العربية اليوم تشهد غزارة في الانتاج وهذه الغزارة لا تأثير لها على المشهد الادبي والفني.

ما رأيك في تأثر الرواية العربية بالأدب الغربي ؟.

التأثر بالأدب الغربي يمثل اضافة للرواية العربية بالعكس هذا التأثر يثري جانب الحوار الثقافي. فالرواية والقصة القصيرة فنون مستورة من الغرب وليسا من صلب الأدب العربي ولذلك جاء التأثر بالادب الغربي.

ما العلاقة بين الشعر والرواية؟

الشعر يعتبر هو المعبر الأول واعمق من الرواية وفي الغرب الشعر يقدم على الأدب لانه يتميز بالكثافة والتجريد وكثيرون حاولوا ان يكون شعراء ولكنهم فشلوا ولذلك لجأوا للقصة والرواية ونستطيع القول ان الروائي يعتبر شاعراً فاشلاً

كتاباتك باللغة الإنجليزية هل إستطعت من خلالها الوصول للقارئ الغربي ؟.

الكتابة باللغة الأم أكثر تعبيراً من اللغة الثانية حيث انك بلغتك الام تكتب وانت مطمئناً كما أن الكتابة باللغة الثانية فيها تحدي كبير ولكن الانجليزية لغة معبرة حيث أصدرت رواية وقصة قصيرة بالإنجليزية كما حاولت أدخل بعض الكلمات الدارجة مثل "الكتاحة" و"المريسة" و"الهبوب" في الرواية الإنجليزية لأنني اعتقد ان ترجمتها لن تفي بالغرض كما استخدمت كلمة "التُكل" (المطبخ التقليدي السوداني) في إحدى رواياتي لإعتقادي ان ترجمته لن تفي بالغرض لإختلاف المطبخ الغربي والسوداني . والإنجليزية والعربية واللغات في حالة تلاقح فهناك كلمات انجليزية وفارسية وهندية دخلت العربية والعكس صحيح.

شخصياتك الروائية هل هي حقيقية أم من خيالك؟

قد تتأثر ببعض الشخصيات حيث كانت شخصية جدتي "حبوبة الروضة" حاضرة في أحدى رواياتي التي صدرت باللغة الانجليزية وسميتها في الرواية بإسمها الحقيقي غير ان الشخصية الروائية قد تتغير وذلك لأنك تضيف للشخصية أو تحذف ولا تتقيد بالشخصية ذاتها فهناك شخصيات حقيقية ولكنك تضيف اليها من خيالك.وهذا التكنيك قد إنتهجه الطيب صالح في رواية "موسم الهجرة الى الشمال".

هل ستسهم الجوائز في تطوير الرواية العربية

أعتقد أن الجوائز لها أبعاد سلبية على الرواية العربية حيث أصبح بعض الكُتاب يكتبون من أجل الجوائز كما ان الاعمال الفائزة أحيانا ضعيفة. وهذه الجوائز جعلت الكُتاب يهجروا الشعر ويتجهوا للرواية لأن الشعر لا يحتوي على جوائز و بها بعض التجاوزات حيث ان لجان التحكيم غير متهمة احياناً بعدم العدالة . واذا ما أردنا ان نكون عادلين في تقييم هذه الجوائز فإن الطيب صالح لم يفز بجائزة إطلاقا فالفوز محطة ولكن لا يعني ان الفائز بالجائزة كاتب كبير.

ما أكثر أعمالك الروائية اضاف لك وتأثرت به ؟.

لدي 9 روايات واحبها لنفسي رواية "مقاطعة الضوء الأحمر" وبها موسيقى القرآن والرواية معقدة وبها تكنيك وفيها يتداخل المحتوى بصورة عميقة بجانب رواية "السواد المر" وهي رواية تقليدية وبسيطة ومن المهم ان اذكر انني كتبتها كتقرير ضد ما يحدث بإسم الدين وهي تدخل داخل الرؤية النقدية التي تشير الى ان الكاتب يجب ان يكون له رأى في بعض الأحداث.

كيف تنظر لإهتمام القارئ العربي بالرواية؟

العالم العربي أصبح لا يقرأ ووسائل التواصل زادت الأمر سوءً وفي الغرب كان الركاب يقرأون في المواصلات والقطار الآن الجوال سيطر على المشهد والإنترنت أخذ جزءً كبيراً من الكلمة المطبوعة وهذا ذاد الطين بِلةً.

معنى ذلك ان الرواية ستتحول الى كتاب إلكتروني في المستقبل؟

هذا واقع لابد من التعامل معه ، الأجيال الجديدة لا تقرأ الكتاب التقليدي فجيلنا يحب الكتاب وهناك علاقة بيننا والكتاب والعلاقة الآن اصبحت افتراضية في وسائل التواصل والانترنت وحاولت ان اكتب عبر "تويتر" ولكن هناك جفوة بين جيلنا والانترنت وهناك حلقة مفقودة بيننا والانترنت ولا زلت أحب الكتابة بالقلم.

هل تدني اللغة العربية سيؤثر على الكتابة الأدبية؟

مستوى اللغة العربية أصبح لا كما ينبغي فاللغة مهمة جدا حيث ان تدني العربية سبب واضح لتدني القراءة كما ان استسهال الكتابة من الامور المزعجة في هذا الوقت و العناية باللغة من أكثر المعينات على الكتابة.

كما ان الفضائيات ساهمت في تدهور اللغة العربية والذائقة العربية وان اللغة هي لغة مسموعة ويتم تعلمها عن طريق الأذن وجيلنا تعلم من الراديو حيث كان المذيعين من متقني اللغة العربية وهذا سبب تفوق الجيل السابق وتدني اللغة في الجيل الحالي وبدون إتقان اللغة العربية لن تكون هناك رواية عربية جيدة فلا "يستقيم الظل والعود أعوج".

هل تشجع الكتابة باللهجة العامية؟

الكتابة باللهجة العامية تتطلب موهبة أكبر لان اللغة العامية هي لغة كلام و لغة غير مكتوبة أما في اللغة الانجليزية لا يوجد فيها فرق بين لغة الكتابة والحديث.

ظاهرة التقليد هل هي موجود في الرواية؟

التقليد في الكتابة الروائية صعب حيث لا يمكن ان تقلد شخصا ولكن المقلق في الامر ان هناك من يستسهل الكتابة فالعمل الادبي لا بد ان يصحبه تعب وتفكير وهناك من يقول ان هناك من يكتب رواية كل شهر وهذا من اسباب إنحطاط الأدب في الماضي هناك من كتب رواية واحدة في 18 عاما.

هل يستطيع القارئ الجيد ان يكون روائيا؟

النظريات النقدية تجعل القارئ هو الكاتب الثاني في العمل الإبداعي والقارئ الجيد يستطيع ان يكتب ولكن لا بد من تربية الذائقة في المدارس والجامعات وفي زماننا هناك حص للأدب وتبني للمواهب من المدارس وقبل ذلك القراءة للروائيين الكبار وعندما تصبح قارئ جيد بإمكانك ان تكون كاتباً او ناقداً لأنك تنطلق من قاعدة ثابتة وعلى اطلاع بالفن عموما.

ماهي الاشياء التي تجعل من الشخص كاتباً روائياً ؟

اللغة والخيال والتجربة الحياتية هناك من يقول ان الروائي يجب ان يكتب في مرحلة متأخرة من حياته حتى يحدث نضوج لتجربته الانسانية كما ان اللغة مهمة للتعبير بجانب ذلك فإن طريقة التعبير هي التي ستميزك عن الآخرين . على سبيل المثال الطيب صالح تناول الصراع بين الشرق والغرب وتميز بطريقة التناول وأضاف شيئا جديدا ولم يكرر ما تناوله من قبله.

ماذا عن ادب المهجر في مجال الرواية ؟

الرواية العربية في الغرب تعاني وخاصة الاعمال المترجمة حيث يلاحظ القارئ الفرق بين النسخة الاصلية والنسخة المترجمة كما أن الكتابات العربية المترجمة ترجمتها غير جيدة بعكس اللغات الاخرى والقارئ في الغرب لا يعرف الرواية العربية ونحن نترجم الى العربية اكثر من ما نترجمه منها فهناك ضعف و قصور في حركة الترجمة .

كلمة اخيرة لقراء "بوابة الشرق"

أتمنى أن يطالع القراء في قطر والسودان والعالم العربي عموماً الاعمال الاساسية في الرواية والقصة القصيرة حتى يستمتعوا بهذا الفن من منابعه كما اتمنى ان من يكتب الرواية ان يجتهد ويثابر وان يهتم بالقراءة وبخاصة الكتاب لما يميزه من عمق.

والشكر لـ "الشرق" والقائمين عليها على اتاحة هذه السانحة المهمة للوصول للقراء.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"