بقلم : علي محمد اليافعي الأحد 26-06-2016 الساعة 02:00 ص

الخبير بالقرآن، عبد الله بن مسعود

علي محمد اليافعي

من أقوال الناس التي أوحتها إليهم تجارب الحياة ومشاهدها: إن العبرة بكمال النهاية، لا بنقص البداية، وهذا القول يصدق كلَّ الصدق في حياة الصحابي، عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، الذي كان يرعى غنما لعقبة بن أبي مُعيط، كما قال هو نفسه متحدثا عن لقائه الأول برسول الله، عليه الصلاة والسلام، ذلك اللقاء المبارك الذي كان سببا في إسلامه، وصعود نجمه في سماء الإسلام، نجما كالقمر ليلة تمامه، مضيئا متلألئا، يبعث النور فيمنح الهداية للسارين في ظلمات مسالك ودروب الحياة.

كان ابن مسعود غلاما يافعا، يرعى الأغنام بأمانة وإخلاص لصاحبها، حينما مر به رسول الله، ومعه الصديق أبو بكر، فقال له النبي: يا غلام، هل عندك من لبن تسقينا؟ قال: نعم، ولكني مؤتمن. فقال النبي: هل عندك من شاة حائل، لم ينزُ عليها الفحل؟ قال: نعم. فأتاه عبد الله بها فاعتقلها النبي ومسح على ضرعها، ودعا ربه، فحَفَل الضَّرع، ودرّ عليه لبنا غزيرا، فاحتلبه في إناء وشرب، وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع اقلص فقلص، وعاد كما كان. هنالك وقف ابن مسعود يتفكر ويتأمل وقد أخذته جلالة الحادثة، وملكته مهابة صاحبها، وعلم بفطرته السليمة أن هذا ليس في مقدور أي بشر، إلا إذا كان مؤيدا من عند ربه، فهو رسوله إلى الناس، فاقترب عبد الله بن مسعود، من النبي، وقال له: علمني من هذا القول. أي من دعائه الذي دعا به الله، فمسح رسول الله رأس ابن مسعود، وقال مبتسما: يرحمك الله، إنك غلام معلَّم.

وصدقت هذه النبوءة، فقد أصبح ابن مسعود فيما بعد، كما قال عنه أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: (كُنَيْفٌ ملئ علما).

إذن أسلم ابن مسعود، على إثر تلك المعجزة الخارقة للعادة، التي لا يجريها إلا الله على أيدي أنبيائه، وما أكثر ما كانت المعجزات في حياة محمد رسول الله، التي نصره الله بها وأكرمه، لعل الناس بربهم يؤمنون، وبنبيه يرشدون، ومن يومئذ كانت حياة ابن مسعود، تحمل في طياتها، ما يقرب ويشبه المعجزات والكرامات، كأن لسبب إسلامه بفضل ما رأى من معجزة أثراً جلب لروحه قوة كامنة، وهمة عالية، مما أكسب روحه رغبة في الاتصال بوحي السماء، والعيش في ظلال ما يلقيه الوحي في قلب الرسول الكريم، من آيات بينات، هي في الأرض مصدر الخيرات والبركات والرحمات، إذ تنزلت من النور الأعلى المقدس، من لدن العزيز الرحمن، فنستطيع القول إن القرآن أصبح محور حياة ابن مسعود بحيث لم تكن له حياة إلا بالقرآن، ولا يَتصوّر هو له حياةً من دونه، فلقد أقبل على النبي يلازمه لكي يأخذ عنه القرآن ويحفظه ويتعلمه، في شغف وكَلَف، وبقلب واعٍ غير لاهٍ، وإنه ليحدثنا عن مبلغه من ذلك فقال:(والذي نفسي بيده، لقد أخذت من فم رسول الله، سبعين سورة، والله ما نزل من القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل، وما أحد أعلم بكتاب الله مني، ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني، تُبلغنيه الإبل لأتيته). ثم قال بتواضع الحيي: (وما أنا بخيركم).

وقد لمس منه رسول الله، تفوقه في تلاوة وحفظ كتاب الله، ومَزيَّته المبرِّزَة في ذلك، فقال:(من أحب أن يقرأ القرآن غضا رطبا كما أنزل، فليقرأ على قراءة ابن أم عبد)، وأم عبد: هي كنية أمه، بل إن النبي نفسَه سأله ذات يوم أن يقرأ عليه القرآن، وهنا استحى ابن مسعود وقال: أقرأ عليك، وعليك أُنزل يا رسول الله. فقال: (إني أحب أن أسمعه من غيري)، فجعل ابن مسعود يرتل من سورة النساء حتى بلغ قول الله تبارك وتعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يودُّ الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا). حينئذ بكى رسول الله، وأشار بيده إلى ابن مسعود قائلا:(حسبك، حسبك، يا ابن مسعود).

لقد تعلقت روح ابن مسعود بالقرآن، فأفاض عليها القرآن من أشعة نوره، فاستمدت معاني الإيمان والتقوى، التي ظهرت في حياته، وتمثلت في خوفه من الله وحدَه، مما زاد قلبه قوة في مواطن الحق، وجرأة على الجهر به، فكان هو أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله، في مكة، كما سجل التاريخ ذلك ورواه، ففي يوم اجتمع أصحاب رسول الله فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يُجهَر لها به قط، فمَن رجل يُسمعهموه؟ قال عبد الله بن مسعود: أنا. قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم، إن أرادوه بأذى. قال: دعوني، فإن الله سيمنعني. فغدا حتى أتى المَقام في الضحى، وقريش في أنديتها، فقام عند المقام، ثم قرأ بصوته الندي البسملة رافعا بها صوته، ثم تلا آيات من سورة الرحمن، مستقبلا قريش، فتأملوه قائلين: ماذا يقول ابن أم عبد؟ أجاب بعضهم: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد. فقاموا إليه وجعلوا يضربونه، وهو ماضٍ في قراءته حتى بلغ منها ما شاء أن يبلغ، ثم عاد إلى أصحابه مصابا في جسده ووجهه، فقالوا له: هذا الذي خشيناه عليك. فقال: ما كان أعداء الله أهونَ علي منهم الآن، ولئن شئتم لأُغادينّهم بمثلها غدا. قالوا له: حسبك، فقد أسمعتهم ما يكرهون.

ونقول نحن، لله درك من رجل يا بن مسعود، نادرُ المثال بين الرجال، قوي الإرادة والعزيمة والإيمان، وكذلك يفعل القرآن حين يشوب القلوب، ويستقر في العقول. أليس هذا رجلا لا يخاف إلا الله، ولا يعبأ بشيء في سبيل الصَّدْع بالحق، ويعمل بما يعتقده ولا يخشى أحدا سوى الله، ومن مظاهر خوف ابن مسعود، وتقى نفسه، أنه كان بعد وفاة رسول الله، يعظم الحديث عنه، تعظيما كبيرا، ويشعر بالخشية العظيمة، فإذا حدَّث بقوله: قال رسول الله. علاه الكرب، وتحدّر العرق عن جبينه، ثم يقول معقبا على الحديث: إما فوق ذلك، وإما قريبا من ذلك، وإما دون ذلك.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"