بقلم : علي محمد اليافعي الإثنين 27-06-2016 الساعة 01:20 ص

ساقي الحرمين العباس بن عبد المطلب

علي محمد اليافعي

كانت قريش تتولى منذ قديمٍ أمر سقاية الحجيج الذين كانوا يفدون على مكة المكرمة، في المواسم، لزيارة الكعبة، البيت العتيق، أول بيت وضعه الله للناس، بأيدي إبراهيم وولده إسماعيل، عليهما الصلاة والسلام، اللذين رفعا قواعد البيت، وأسسا بنيانه. وكان الذين يباشرون شرف وفخر مهمة السقاية من قريش هم بنو هاشم، خير وأشرف العرب نسبا، وأكرم أهل الأرض حسبا، وكيف لا وهم رَهْط النبي المصطفى عليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم، وكانت مكرمة السقاية انتهت حين ظهر الإسلام إلى العباس بن عبد المطلب، عم رسول الله. كان العباس من أجود فتيان قريش، وخيرهم عملا، وأحكمهم عقلا، تلوح على وجهه مخايل الفطانة والنجابة، ولم يكن يكبر ابن أخيه، رسول الله، إلا بسنوات قليلة، نحو ثلاث سنين، لم تباعد بينهما في العمر، بل جعلتهما متقاربين في السن، بحيث كانا كأنهما من جملة اللِّدات والأتراب، الذين لا فرق بينهم في الأعمار، فنشأ من ثم العباس، ورسول الله، في زمن واحد يكنُّ كل منهما للآخر مشاعر القرابة، وعواطف الصداقة، مما جعل الأواصر بينهما تتوثق وتتأكد بالمودة والمحبة والتقدير، وإنه ليحسن هنا ذكر ما قاله العباس حين سئل ذات يوم بعد أن ابتعث الله محمدا بالرسالة: أيكما أكبر، أنت أم رسول الله؟ فأوحى إليه ظَرفه وفطنته، أن يجيب بهذا الجواب الذي ينمُّ عن أدبه وخلقه: (هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله).

من كان مثل العباس في قربه وصلته برسول الله، ومحبته له، لا شك أنه سيصدقه فيما يقوله ويدعو إليه، مما أرسله الله به لتبليغه الناسَ، ولا شك أنه سيكون من الذين يتبعونه وينصرونه ويحمونه، من أعداء الدين المكذبين به، والمحاربين له، وهذا ما كان من العباس، فقد أسلم وتبع محمدا رسول الله، بيد أنه كتم إسلامه، وأخفاه عن قريش، وكان في ذلك فائدة ومصلحة ترجع على الإسلام بالخير والنفع، ليظل من موقعه الخفي يخدم الإسلام من غير أن يشعر به أحد، كالجندي المجهول، الذي يعمل بصمت في موقعه، لذلك بقي العباس في مكة ولم يهاجر مع النبي إلى المدينة مع من هاجروا معه. في السنة الثانية للهجرة حدث للعباس ما لم يكن في حسبانه، ولم يخطر له ببال، إذ عزم مشركو قريش على الخروج لمواجهة المسلمين في موقعة بدر، وجمعوا لذلك جمعهم وعدتهم وأخذوا يحثون من في مكة على القتال، وتولى ذلك زعماؤهم الكبار، كأبي جهل، وأمية بن خلف، واتخذوا ذلك فرصة ليعلموا ويميزوا من لا زال على دينهم ودين آبائهم ممن صبأ واتبع الدين الجديد، وبينما هم كذلك، نظروا إلى العباس، فأحدقوا به وأكرهوه على الخروج معهم، ودفعوه على ذلك دفعا، حتى ما استطاع الخلاص منهم.

علم النبي بما حدث مع عمه العباس فقال لأصحابه قبل أن يلتقي الجمعان في المعركة، يوم بدر: (إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم، قد أُخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا... فمن لقي العباس بن عبد المطلب، فلا يقتله، فإنه إنما أُخرج مستكرَها). ثم دارت رحى المعركة، وكتب الله للمسلمين نصرا عظيما، إذ ألحقوا بعدوهم هزيمة شنيعة، سقطوا فيها ما بين قتلى وأسرى، مما هو معلوم، وشاءت الأقدار أن يقع العباس أسيرا، ويوثق في الوَثاق، مشدود اليدين، كسائر الأُسارى، فبات ليلة لم يبت مثلها من قبل.

تُرى كيف كان شعور رسول الله، وما وجده في نفسه الشريفة، وما ألم بها، وقد علم أن عمه العباس، شقيق أبيه، وصديق الصبا، ورفيق الشباب، أسير مكبل، لا يطيق حراكا، ولا يملك من أمره شيئا، قد آذاه القيد، وشق عليه وأتعبه، والعباس مع كل ذلك مسلم، يدين لله ولرسوله، لم يؤذِ أحداً من المسلمين، ولا يحمل في صدره لهم إلا خيرا ومعروفا، ولكن لا يعلم بذلك أحد من الناس، لا يعلم بذلك إلا الله ورسوله، وكفى بالله وليا ونصيرا وشهيدا. لقد أَرِق الرسول واشتد أرقه، وبات الليل ساهرا، وطال فكره في عمه الأسير، منذ أول ليلة باتها في الأسر، ولم يهنأ له نوم، ولم يهدأ به حال، حتى لم يستطع أن يخفي ذلك بل بدا ظاهرا عليه، وحين سئل عما به، ولا سيما وقد فتح الله للمسلمين، وأيدهم بنصره، قال عليه الصلاة والسلام: (سمعت أنين العباس في وَثاقه). آه، ومن يطيق ويحتمل سماع أنين عزيز عليه، حبيب لديه، إن ذلك لمن أشد البلايا، وأقسى الرزايا، وخاصة على من أنعم الله عليهم برقة الإحساس، ولين الفؤاد، ممن يحيون الحياة بقلوب سليمة، ونفوس صحيحة، فتتجسد فيهم بحق وصدق، حقيقة الإنسان، في صورته الأصيلة الأولى، التي شاء الله خلق الإنسان عليها، ليكون مخلوقا ممتازاً بفطرته، عن سائر المخلوقات، مكرما في عالمه الذي يعيش فيه، بعواطفَ ومشاعرَ تمثل الوجدان الذي يشهد له بأنه إنسان.

علم بعض الصحابة بحال رسول الله تلك، وما يعانيه من أجل العباس، فبادر إلى حيث حُبس فأرخى وثاقه المشدود حتى كاد يحلّه، ثم انطلق ليخبر الرسول بذلك فقال: يا رسول الله، إني أرخيت من وثاق العباس شيئا. أراح هذا الخبر النبي، ولكنه قال: (اذهب فافعل ذلك بالأسرى جميعا). أجل، هذه هي أخلاق النبي الكريم، التي علمها الناس، وبثها فيهم، ودعا إلى العمل بها، بحيث تكون مبادئَ وقيما تحكم سلوك المسلم، وتمثل دعوة الإسلام التي يقوم أصلها على أساس مكارم الأخلاق، الظاهرة في المعاملة، قال:(اذهب فافعل ذلك بالأسرى جميعا)، فما كان رسول الله ليعاملَ الناس إلا على السواء، بالقِسطاس المستقيم، الذي يزن للناس كلِّهم أجمعين، بميزان واحد، هو ميزان العدل والإنصاف، بلا محاباة ولا اصطناع.

لما استقر الأمر عند المسلمين في شأن الأسرى بأخذ الفداء منهم، مقابل إطلاقهم، قال رسول الله، لعمه العباس: (يا عباس، افتدِ نفسك، وابن أخيك، عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، وحليفك عتبة بن عمرو، فإنك ذو مال). فقال العباس: (يا رسول الله، إني كنت مسلما، ولكن القوم استكرهوني)، لكن النبي لم يقبل منه إلا بدفع الفدية، كما لم يَمنّ عليه بإطلاقه بغير عوض، ما دام العباسُ ذا مال، لئلا يمتاز عن غيره من الأسارى في المعاملة، فما كان من العباس إلا أن فدى نفسه، ومن معه، فخرجوا من قيد الأسر، وأنزل الله تعالى من ثم قوله:(يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى، إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم). قال العباس فيما بعد: ما أُحِب أن هذه الآية لم تنزل فينا، وإن لي الدنيا، لقد قال الله:(يؤتكم خيرا مما أخذ منكم)، فقد أعطاني خيرا مما أخذ مني مائة ضعف، وقال:(ويغفر لكم)، وأرجو أن يكون قد غفر لي. وكذلك الله لا يخلف الميعاد. ظل العباس بعد وفاة النبي، معروف الفضل، محفوظ المنزلة، عند المسلمين، وكيف لا يكون له ذلك الفضل، وتلك المنزلة، وقد قال فيه رسول الله:(إنما العباس صِنْوُ أبي، فمن آذى العباس فقد آذاني)، والشاهد على معرفة المسلمين بقدره، ما حدث في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يوم أصيب المسلمون بقحط شديد في المدينة، فدعا عمر الناس للخروج لصلاة الاستسقاء، فخرجوا وهم يتلفتون بحثا عن العباس بن عبد المطلب، الذي كان وهو في مكة يتولى سقاية من في الحرم، كما أسلفا في أول الحديث، فقدموه مع عمر، فلما صلوا أخذ عمر بيد العباس، مستقبلا القبلة وقال: (اللهم إنا كنا نستسقي بنبيك وهو بيننا، اللهم وإنا اليوم نستسقي بعم نبيك، فاسقنا)، فما قَفَل الناس إلى منازلهم حتى أمطرت السماء بغيث طيب مبارك مدرار، فارتوَوْا منه، وسقَوْا أنعامهم، ثم قصدوا العباس يصافحونه ويقبلونه، شاكرين لله على أن جعل فيهم بركة العباس، واستجاب لهم شفاعتهم به، وقد أطلقوا على العباس يومئذٍ لقب (ساقي الحرمين)، واستنطق هذا الحادث شاعر رسول الله، حسان بن ثابت، رضي الله عنه، فقال:

سألَ الإمامُ وقد تتابعَ جدبُنا فَسَقَى الغمامُ بغرَّةِ العباسِ

عمُّ النبي وصِنو والده الذي وَرِثَ النبيَّ بذاك دون الناسِ

أحيا الإلهُ به البلادَ فأصبحتْ مخضرَّةَ الأجناب بعد الياسِ

المصاب العظيم

في خلافة عثمان بن عفان، رضي الله عنه، سنة اثنتين وثلاثين، فقد المسلمون العباس بن عبد المطلب، فجزعوا وحزنوا على قدر هذا المصاب العظيم، إذ ودّعوا البقية الباقية من آباء رسول الله، ليلحقَ رضي الله عنه بمن سبقه من الصالحين الأبرار، عليهم جميعاً سلام الله.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"