بقلم : نعيم محمد عبد الغني الإثنين 27-06-2016 الساعة 01:35 ص

أسماء الإشارة

نعيم محمد عبد الغني

أحيانا يختلط على القارئ أن يقول هذا أو ذلك، وفي هذا المقال نبين دقة التعبير القرآني في التعبير بأسماء الإشارة، فمثلا قوله تعالى: "ذلك الكتاب لا ريب فيه" يمكن التعبير عنها بصور كثيرة تصل إلى أكثر من ثلاثين صورة كأن يقال هذا الكتاب لا ريب فيه ... إلخ ولكن القرآن آثر أن يستعمل هذا التعبير، وهناك عدة محاولات في تفسير ذلك؛ فالفراء يقول: "وقوله تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ يصلح فيه (ذلك) من جهتين، وتصلح فيه (هذا) من جهة، فأما أحد الوجهين من "ذلك" فعلى معنى: هذه الحروف يا أحمد، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك. والآخر أن يكون "ذلك" على معنى يصلح فيه "هذا"؛ لأن قوله "هذا" و"ذلك" يصلحان في كل كلام إذا ذكر ثم أتبعته بأحدهما بالإخبار عنه. ألا ترى أنك تقول: قد قدم فلان؛ فيقول السامع: قد بلغنا ذلك، وقد بلغنا الخبر، فصلحت فيه "هذا"، لأنه قد قرب من جوابه، فصار كالحاضر الذي تشير إليه، وصلحت فيه "ذلك" لانقضائه، والمنقضي كالغائب، ولو كان شيئا قائما يرى لم يجز مكان "ذلك" "هذا"، ولا مكان هذا "ذلك"... وأما ما لايجوز فيه "هذا" في موضع "ذلك" ولا "ذلك" في موضع "هذا" فلو رأيت رجلين تنكر أحدهما لقلت للذي تعرف: من هذا الذي معك؟ ولا يجوز ها هنا: من ذلك؟ لأنك تراه بعينه" معاني القرآن للفراء، معاني القرآن 1/10-11

وأما الفرق بين "ذلك" و"ذلكم" فيبينه الفراء في قوله "وقوله (ذلك يوعظ به) ولم يقل ذلكم وكلاهما صواب؛ لأنه حرف قد كثر في الكلام حتى توهم بالكاف أنها (من الحرف) وليست بخطاب. ومن قال "ذلك" جعل الكاف منصوبة وإن خاطب امرأة أو امرأتين أو نسوة . ومن قال: "ذلكم" أسقط التوهم فقال إذا خاطب الواحد: ما فعل ذلك الرجل، وذانك الرجلان، وأولئك الرجال ويقاس على هذا ما ورد. ولا يجوز أن تقول في سائر الأسماء إذا خاطبت إلا بإخراج المخاطب في الاثنين والجميع والمؤنث كقولك للمرأة: غلامك فعل ذلك؛ لايجوز نصب الكاف ولا توحيدها في الغلام، لأن الكاف ههنا لا يتوهم أنها من الغلام" معاني القرآن 1/149

فالفراء اعتمد في تحليله أولا على التركيب فقال: "هذا" و"ذلك" يصلحان في كل كلام إذا ذكر ثم أتبعته بأحدهما بالإخبار عنه"، وعندما لم يكن التركيب مرجحا لاختيار المفردة المناسبة للوظيفة اعتمد على السياق الذي ترد فيه الجملة، وحال المخاطبين وكثرة الاستعمال للمفردة وملازمتها التعبير عن موقف معين يكون فيه مثل هذا التركيب.

و(الكتاب) مفردة مناسبة للسياق؛ حيث إنه لما كانت الهداية تحتاج إلى إرشاد وكان الكتاب مصدر إرشاد فإن مفردة (القرآن) التي هي مصدر من الفعل قرأ أو مفردة (الفرقان) التي هي من التفريق بين الحق والباطل أو أي اسم آخر لن يعطي هذا الإيحاء خاصة وأن القرآن كتاب من الكتب السماوية التي حرفت من قبل نزول القرآن، ولذلك فإن إعطاء من يستقبل القرآن بأنه كتاب سماوي، غير أنه لم تصبه شائبة تحريف، أمر ضروري لتطمئن إليه النفوس فتهتدي به إلى صراط مستقيم، وجاء (الكتاب) معرفا بالألف واللام ولم يأت نكرة موصوفة بجملة: (لاريب فيه) أو جملة: (أنزلناه) مثلا أو أي جملة أخرى؛ لأن "اللام في الكتاب للحقيقة مثلها في أنت الرجل والمعنى ذلك هو الكتاب الكامل الحقيق بأن يخص به اسم الكتاب لغاية تفوقه على بقية الأفراد في حيازة كمالات الجنس حتى كأن ما عداه من الكتب السماوية خارج منه بالنسبة إليه، وقال ابن عصفور: كل لام وقعت بعد اسم الإشارة وأي في النداء وإذا الفجائية فهي للعهد الحضوري".

وفي هذا إعلام للمخاطب بإعجاز هذا القرآن الذي بدأ وتألفت كلماته من حروف ألفها العرب ونظموا منها شعرا ونثرا وقد أصبح معهودا لهم ومعروفا لديهم بأن هذا الكتاب المعجز لا ريب فيه، وحق لمن عرف أنه كتاب معجز من عند الله أن يؤمن بالله عز وجل.

وجاء اسم الإشارة (ذلك) مناسبا للخبر (الكتاب) من حيث اعتبار الكتاب عينا مشاهدا بين الناس، ومن حيث كونه معاني من عند الله، ووظف اسم الإشارة في هذه الجملة؛ ليدل على هاتين الدلالتين؛ لأن "لفظ ذلك، يصح أن يشار به إلى كل غائب، عينا كان أو معنى، يحكى عنه أولا ثم يؤتى باسم الإشارة، تقول في العين: جاءني رجل فقلت لذلك الرجل، وفي المعنى: تضاربوا ضربا بليغا، فهالني ذلك الضرب، وإنما يورد اسم الإشارة بلفظ البعد، لأن المحكي عنه غائب"، كما أن (ذلك) – وهي اسم إشارة للبعد- لاتؤدي (هذا) دلالاتها؛ حيث إن اسم الإشارة الدال على البعد يوحي بعظمة المشير والمشار إليه.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"