بقلم : علي محمد اليافعي الثلاثاء 28-06-2016 الساعة 01:36 ص

رجل آمن مرتين.. عبد الله بن سلام

علي محمد اليافعي

قيل إن الحق ثقيل مَرِيء، والباطل خفيف وبيء. ألا ما أصدق هذا القول الحكيم، وما أشد دلالته على صواب الحقيقة الغائبة عن كثير من أولي الألباب، أجل، إن الحق ثقيل على نفس الإنسان، باهظ حمله، يقتضي تحمله تجشم المشاق، والصبر على الصعاب، لما يترتب على الصدع بالحق، والأخذ به من نتائجَ وتبعاتٍ، لا تخالف أهواء متحمل الحق ورغباته فحسب، بل قد يجد من جرائها السوء والأذى والشر من أعداء الحق، الكارهين له، ممن يهوون الباطل وينصرونه، مع علمهم أو جهلهم أنه باطل، إما لمرض في قلوبهم، أو كبر في نفوسهم، أو عمىً في بصائرهم، ولكن العاقبة لا جَرَم أنها للحق، ولمناصريه، وإن قلّ الأنصار والأعوان، أو عُدموا، ذلك وعد الله الذي لا ريب فيه ولا مراء، وإن طال الزمن أو قصر، في الآجل أو العاجل. أما الباطل فخداع وغرور، يزينه الوهم والخيال للنفوس، فتراه خفيف المحمل، سهل المأخذ، وما علمت أن فيه شرا مستطيرا، وبلاء وبيلا، ليس لعاقبته هذه من بد.

ولْننظرْ صورةً لذلك من قصة حياة رجل كان حبْرا من أحبار اليهود، وسيدا من سادتهم، الذين كانوا في يثرب، إلا أنه أسلم، وآمن برسول الله محمد، عليه الصلاة والسلام، منذ أول ما قدم المدينة، ذلك الرجل هو الحصين بن سلام، أو عبد الله، بدلا من الحصين، كما سماه رسول الله، فكان أن ظفر من ربه بأجرين؛ لأنه رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، ثم آمن بمحمد خاتم النبيين، كما نص على ذلك القرآن والحديث، ففي القرآن قال الله تعالى (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون. وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين. أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون).

ولقد روى هو نفسُه حادثة إسلامه، فكان مما رواه وقاله، أنه لما سمع بظهور رسول الله، أخذ يسأل ويتحرى عن اسمه ونسبه وصفاته ومكانه، وكل ما له من شؤون وأحوال، ويطابق بينها وبين ما هو مسطور عندهم في الكتب، حتى استيقن من نبوته، وتثبت من صدق دعوته، ثم إنه كتم ذلك عن اليهود، وعَقَل لسانه عن التكلم فيه، إلى أن كان اليوم الذي خرج فيه الرسول عليه الصلاة والسلام، من مكة مهاجراً إلى المدينة، فلما بلغها ونزل بقُباء، أقبل رجل وجعل ينادي في الناس، معلنا قدومه، وكان عبد الله بن سلام، ساعتئذٍ في رأس نخلة له يعمل فيها، وكانت عمته خالدة بنت الحارث، جالسة تحت النخلة، فما إن سمع ابن سلام الخبر حتى هتف: الله أكبر... الله أكبر. فقالت له عمته، حين سمعت تكبيره: خيبك الله، والله لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادما ما فعلت شيئا فوق ذلك. فقال لها: أيْ عمة، إنه والله أخو موسى بن عمران، وعلى دينه، وقد بُعث بما بعث به. فسألت قائلة: أهو النبي الذي كنتم تخبروننا أنه يبعث مصداقا لما قبله، ومتمما لرسالات ربه؟ قال: نعم. قالت: فذاك إذن. ثم مضى عبد الله بن سلام، من فوره إلى رسول الله، فرأى الناس يزدحمون ببابه، فزاحمهم حتى صار قريبا منه، فكان أول ما سمعه منه قوله "أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام"، فجعل ابن سلام، يتفرس في وجه النبي، وصورته ويتملّى منه، فأيقن من ثم أن وجهه ليس بوجه كذاب، وسبحان من آتى المؤمن الصادق فِراسة ينظر بها بنورٍ من الله، فيستشف حقائق الأمور. ثم دنا منه حتى اقترب وقال: إني سائلك عن ثلاثٍ لا يعلمهن إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعامٍ يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزعُ الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول الله "خبرني بهن آنفا جبريل، أمّا أول أشراط الساعة، فنار تَحشرُ الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كَبِد الحوت، وأما الشبه في الولد، فإن الرجل إذا غَشِي المرأة فسبقها ماؤه، كان الشبه له، وإن سبقت كان الشبه لها"، حينئذ شهد ابن سلام بشهادة الحق، فقال له رسول الله: ما اسمك؟ قال: الحصين بن سلام. قال: بل عبد الله بن سلام. قال: نعم عبد الله، والذي بعثك بالحق ما أحب أن لي به اسما آخرَ بعد اليوم. انصرف ابن سلام من عند رسول الله، إلى بيته ودعا زوجه وأولاده وأهل بيته إلى الإسلام، فأسلموا جميعا وما أبطؤوا، لمعرفتهم بقدر علمه، وحكمة عقله، وأسلمت معهم عمته خالدة، وكانت امرأة عجوزاً كبيرة السن، ثم قال لهم: اكتموا إسلامي وإسلامكم عن اليهود، حتى آذن لكم. فأجابوه إلى ذلك. ثم رجع إلى النبي، وقال له: "يا رسول الله، إن اليهود قوم بهتان وباطل، وإني أحب أن تدعو وجوههم وكبراءهم إليك، وأن تسترني عنهم في حجرة من حجراتك، ثم تسألهم عن منزلتي عندهم، قبل أن يعلموا بإسلامي، ثم تدعوهم إلى الإسلام، فإنهم إذا علموا أنني أسلمت عابوني، ورمَوني بكل ناقصة وبهتوني". ذلك قول ابن سلام، ولا يحدثك مثل خبير. فأدخله الرسول في بعض حجراته، ثم دعاهم إليه، وأخذ يحضهم على الإسلام، ويحبب إليهم الإيمان، ويذكرهم بما عرفوه في كتبهم من أمره، فجعلوا يجادلونه بالباطل، ويمارونه في الحق، وقد تبين لهم، وعبد الله بن سلام، يستمع لما يقولون، فلما يئس رسول الله من إيمانهم قال لهم "ما منزلة الحصين بن سلام فيكم؟" فقالوا: سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وعالمنا، وابن حبرنا وعالمنا. فقال "أفرأيتم إن أسلم أفتسلمون؟" قالوا: حاشى لله، ما كان ليسلمَ. فخرج إليهم عبد الله بن سلام، وقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به محمد، فوالله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله، وتجدونه مكتوبا عندكم في التوراة باسمه وصفته، وإني أشهد أنه رسول الله، وأومن به، وأصدقه. فقالوا: كذبت، والله إنك لشرنا وابن شرنا، وجاهلنا وابن جاهلنا. ولم يتركوا عيبا إلا عابوه به. فالتفت إلى رسول الله، وقال: ألم أقل لك إن اليهود قوم بهتان وباطل، وإنهم أهل غدر وفجور. هكذا من النقيض إلى النقيض، انتقلوا بعبد الله بن سلام، وبهذا الفجور المفضوح ظهروا، الذي لا يأتي إلا من نفوس مجردة من الحياء والعفة والمروءة، ممتلئة باللؤم والسفه والجهل، معلنين هذا المبدأ الفاحش: من ليس معنا، وعلى رأينا، فهو ضدنا وعدونا وشر الناس، وإن كان من كان. بئست هذه الأخلاق، وبئس من تخلق بها، من أيّ قوم وملّة، أعاذ الله عباده منها، ومن أصحابها.

من أهل الجنة

كان جزاء عبد الله بن سلام، رضي الله عنه، أن أنزل الله فيه آية في كتابه العزيز، وهي قوله جل وعلا (وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم)، وقد رووا أن النبي بشّره بأنه من أهل الجنة، حتى قال فيه الناس «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى عبد الله بن سلام».

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"