بقلم : علي محمد اليافعي الأربعاء 29-06-2016 الساعة 01:09 ص

ذو الجناحين «جعفر الطيار»

علي محمد اليافعي

هل يحتاج رجل مثل جعفر بن أبي طالب، إلى تعريف؟ وهو الحسيب النسيب، ابن أبي طالب، عم رسول الله، عليه الصلاة والسلام، وشقيق علي بن أبي طالب، ذلك هو من حيث نسبه الشريف، النامي في فروع آل هاشم، خير العرب قاطبة، أما من حيث مآثره في الإسلام، وسيرته الحسنة في تاريخه المجيد، الناصع الصفحات، فلنقترب من جعفر أكثر، ولنزدد عنه علما وخُبرا، لتتضح وتتجلى لنا ملامح شخصيته، ومحاسن سيرته، وفضائل خليقته.

نطق جعفر بالشهادتين، فكان واحدا من المسلمين الأولين السابقين، الذين بادروا بالانضواء تحت راية الإسلام، وسارعوا في إجابة دعوة نبيه، وصبروا على دينهم، وواجهوا في سبيله، أشد البلايا، وأشنع الرزايا، التي صب عليهم حميمها ولهيبها، أعداء الدين ومناوئوه في مكة، حتى أذن رسول الله لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة، ورضي لهم هذه الهجرة، فكان في ركب من هاجر إلى هناك، جعفر الذي خرج من مكة، ونزح عنها برفقة زوجه، أسماء بنت عميس، إلى تلك البلدة، على شَحَط الدار، وتنائي المَزار.

حطّ المسلمون المهاجرون، أمتعتهم في أرض الحبشة، وعاشوا في حمى ملكها العادل، النجاشي، بسلام وأمان، لا يكدر صفو عيشهم شيء، ولا ينغص عليهم حياتهم، منغص من نكد الدنيا، سوى ما كانوا يجدونه من حزن وأرق، كلما تذكروا حال النبي في مكة، ومن بقي معه من المسلمين. ولكن هل تُرى تركتهم قريش وشأنهم في الحبشة، ووَقفوا مكائدهم وشرورهم، التي اعتادوا ممارستها وهم في مكة، ولم تطاردهم وتلاحقهم إلى حيث ذهبوا؟ كلا، لقد استمرت قريش في ظلمها وعتوها، وإلقاء عِصيّها وحبالها، فقد عزّ عليها أن يفر أولئك المسلمون، من قبضتها، ويجدوا ملجأ آمنا يؤويهم، ينعمون فيه بالحرية والأمن، وأحست في ذلك ما يجرح جبروتها، ويطعن هيبتها، فأرسلت من ثم على أثَرهم رجلين، واختارت أن يكون عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، وكانا لم يسلما بعد، وحمّلتهما قريش الكثير من الهدايا الثمينة والمستطرفة، ليقدمانها إلى النجاشي، وإلى رجال الدين من القسيسين والأساقفة، بين يدي طلبهم الذي جدّوا فيه، وهو إخراج أولئك الذين جاءوا إليهم لائذين مستجيرين. بدأ رسولا قريش أولا بمقابلة رهبان الكنيسة، وتحدثا إليهم بما قدما من أجله، وقاما بإتحافهم بما جلبا من هدايا، لاستمالتهم حتى يقفوا معهما، ويقولوا برأيهما بإقصاء المسلمين من أرضهم، أمام ملكهم النجاشي، ثم سعى رسولا قريش إلى لقاء الملك، وفي يوم جلس فيه النجاشي مجلسه، على عرش حكمه، اجتمع الخصوم عنده، المسلمون في ناحية، ورسولا قريش في الناحية المقابلة، في حضور القساوسة وغيرهم من رجال الحاشية.

هنالك قام عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، واستأذنا النجاشي في الحديث، فأذن لهما، فبثا ما في صدورهما من فكر زعماء قريش وسادتهم، فقال أحدهما للنجاشي:(أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك، غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم، أشراف قومهم، من آبائهم وأعمامهم، وعشائرهم، لتردهم إليهم)، حينئذ اندفع رهبان الكنيسة بقولهم مؤيدين ما قيل: صدقا، أيها الملك، فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم. ولكن النجاشي رجل له عقل وحكمة، ونفس طيبة كريمة، فلم يسمع من طرف واحد فقط، وإن كان لذلك الطرف من طرفي القضية مناصرون كثيرون، فيقعَ في الظلم والجور والخطأ، ويضل في رأيه، ثم يتعسف في حكمه، فإنه التفت نحو المسلمين، سائلا إياهم ليعلم جليّة أمرهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به في ديني، ولا دين أحد من هذه الملل؟.

يومئذ تجلى جانب من الجوانب الرائعة المتألقة لنفس جعفر، الذي انبرى بشجاعة وثبات، ووقف يتصدى لما قيل، وأنشأ يناضل عن المسلمين والإسلام، فكفَّ ووفَّى، إذ بيّن بجلاء ووضوح حقيقة الدين، وأساس دعوته، القائمة دعائمها على أصول مكارم الأخلاق، وفضائل الأعمال، مما أُمر به المسلمون، والقائمة أيضا على ما نهوا عنه مما يخالف الخلق الكريم، فيوقع النفس الإنسانية في حضيض الرذائل، ويهوي بها في درك الفواحش، ذلك الذي إن غاب عن المسلم، فقد جهل دينه، وبعُد عنه، وإن زعم أنه من المسلمين. قال جعفر ردا على سؤال النجاشي:(أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه...فأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم...فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاءنا به من دين الله). فما كان من النجاشي إلا أن قال: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. وتوجه بنظره وقوله إلى المسلمين قائلا: اذهبوا فأنتم آمنون بأرضي. ورد إلى رسولي قريش هداياها، فعادا إلى قومهما بالخيبة والخزي، ولم ينالوا شيئا، وأقام المسلمون في الحبشة بخير دار، مع خير جار. ظل جعفر في مهجره ذاك يتعبد الله تعالى، ويدعو إلى الدين بعمله قبل قوله، هو ومع الذين هاجروا، إلى أن قدموا على رسول الله بُعيد فتح خيبر، في السنة السابعة للهجرة، ففرح بمقدمهم فرحا كبيرا، وسُرَّ سرورا بالغا، وخاصة حينما رأى ابن عمه جعفر، فأقبل نحوه وعانقه، وهو يقول:(لا أدري بأيهما أنا أُسرَّ، بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر)، هكذا قال عليه الصلاة والسلام، قولا مسجوعا بادي الحلاوة، ظاهر الطلاوة، مرحبا ومحييا بقدوم جعفر، بعد طول غياب.

منذ أن قدم جعفر المدينة ونعِم بقربه من النبي، وقربه أيضا من إخوانه الصحابة، تاقت نفسه إلى نصر الدين، والذِّياد عنه بالجهاد في سبيل الله، خصوصا بعدما علم ما بذله المسلمون، من تضحيات جسام، وبطولات عظام، في المشاهد والمعارك، أيام كان في الحبشة، وصدَّق الله نفس جعفر المخلصة التواقة إلى ما يرضيه سبحانه، ففي جمادى الأولى، من السنة الثامنة للهجرة، أعد رسول الله جيشا لمقاتلة الروم المعتدين، وجعل عليه ثلاثة أمراءَ قوّاد أولهم زيد بن حارثة، وثانيهم جعفر بن أي طالب، وثالثهم عبد الله بن رواحة، بحيث إذا قتل الأول أخذ الثاني منه الراية، وفق ذلك الترتيب. انطلق الجيش من المدينة، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء بقرية مؤتة من أرض الشام، التقى الجيشان، واحتدم بينهما الصراع، وقاتل القائد الأول زيد بن حارثة، حتى قتل، فأخذ الراية جعفر، وتقدم بها نحو صفوف جنود الروم، الذين كانوا من كثرتهم كأمواج البحر المتلاطمة، فأعمل فيهم سيفه، يضرب ويقتل منهم، حتى ضُربت يمينه فقطعت، فحمل الراية بشماله، فأصابوها أيضا، فحضن الراية بعضديه، وضمها إلى صدره، حتى لا تسقط، ولم يزل رافعا إياها حتى قتل وما ترك الراية تصيب التراب، وحينئذ تقدم القائد الثالث، عبد الله بن رواحة، وتناول الراية من جثمان الشهيد.

نفس جعفر

علم النبي بالوحي أنباء أصحابه، فبكى عليهم وقال في جعفر: (رأيت جعفراً، يطير في الجنة مع الملائكة بجناحين)، ومن هنا عُرف جعفر بلقبه الشهير: (جعفر الطيار)، وعُرف أيضا بذي الجناحين، ثم قام رسول الله إلى بيت ابن عمه، ودعا أطفاله الصغار، فاحتضنهم وقبلهم، وعيناه تذرفان.

بقي جانب من نفس جعفر الكريمة الشريفة، لا بد لنا من تبيانه، وهو بره بالفقراء والمساكين، وحبه لهم وعطفه عليهم، حتى لقب بأبي المساكين، وشهد له بذلك أبو هريرة، إذ قال:

(كان خير الناس للمساكين، جعفر بن أبي طالب).

رضي الله عنه، وهنيئا وطوبى له هذا الجزاء والثواب والثناء.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"