بقلم : علي محمد اليافعي الجمعة 01-07-2016 الساعة 01:24 ص

امرأة من طراز فريد قصة «أم سُليم»

علي محمد اليافعي

لو كان النساء كأم سليم بنت ملحان الأنصارية، لفضلت النساء على الرجال، إي وربي إن هذا لحق، سنعلم صدقه وصحته بعد حين يسير، فيما سنعرض من ومضات باهرات لسيرتها، وقصة حياتها التي عاشتها، ضاربة أروع الأمثال، بما كان لها من خلال، وما بذلته من فِعال، حتى أصبحت نموذجا بديعا صالحا للرجال قبل النساء.

اشتهرت بكنيتها أم سليم، التي غلبت عليها حتى نسي الناس اسمها أو كادوا، فقيل إن اسمها (سهلة)، وقيل غير ذلك، فقد اختلفوا فيه كثيرا، وكان لها لقب عرفت به أيضا هو الرُّميصاء، أسلمت في المدينة، وأخذت مكانها في طليعة صفوف المسلمات السابقات إلى الإسلام، وكانت متزوجة قبل إسلامها من مالك بن النضر، والد ابنها الحبيب العزيز أنس، ولكن زوجها مالك، أبى الإسلام، وصد عنه، وغضب حين أسلمت هي، فراح يعنفها ويعيب عليها إسلامها، قائلا: أصبوت؟. فكانت تقول: ما صبوت، ولكني آمنت بهذا النبي الكريم. فلم يزدها ذلك إلا تمسكا بدينها وحفاظا عليه، أمام عنف زوجها، وبغضه لدينها، الذي رأها يوما تلقن ولدها أنسا، وهو طفل صغير، الشهادتين، فصرخ في وجهها: لا تعلميه هذا الكلام، ولا تفسدي على ابني. فتقول هي: إني لا أفسده، بل أدعوه لسعادته وصلاحه. ثم تركها زوجها هذا وفارقها، وخرج في حاجة له إلى الشام، حيث هلك هنالك ولقي حتفه.

بعد وفاة زوجها عنها، تقدم لخطبتها أبو طلحة الأنصاري، وجاء إليها يكلمها في ذلك، وكان لمّا يسلمْ بعد، فقالت له: يا أبا طلحة، ما مثلك يرد، ولكنك مشرك، وأنا مسلمة، فإني أدعوك إلى الإسلام، ولا أريد منك صَداقا غيره، فإن تسلمْ، فذاك مهري، ولا أسألك سواه شيئا. فتفكر أبو طلحة، وكان ذا نفس كريمة، وبصيرة سديدة، فلم يعجل ويستجب لطلبها، دونما اعتقاد ولا يقين، ولكن لحاجة في نفسه، فيكون كاذبا، يعامل بالزيف والخداع، بل قال لها: دعيني حتى أنظرَ في أمري. ثم إنه جاءها ولم يلبث طويلا، وقال: من لي بذلك الذي دعوتني إليه؟. قالت: لك بذلك رسول الله. فانطلق أبو طلحة يريد النبي عليه الصلاة والسلام، فجاءه وهو جالس في أصحابه، فلما رأه رسول الله قال:( جاءكم أبو طلحة غُرة الإسلام بين عينيه)، فأخبر رسول الله، بما قالت أم سليم، فتزوجها على ذلك.

وهكذا كان الإسلام مهر أم سليم، الذي رضيت به وطابت نفسها، فما عرف الناس ولا تاريخهم، مهرا، أُصدِقَت امرأة مثلَه، ولا رأوا مهرا أكرم ولا أعظم منه.

كان حب الله ورسوله والدين الذي جاء به، هو المسيطر على قلبها، والحاكم على عقلها، فمن ثم تجلى ذلك الحب صافيا بهيا على كافة أعمالها ومجريات حياتها، فابتغت أن تعيش في فيء مجتمعها المنعم بظلال الإسلام عاملة باذلة، بل مضحية فدائية، ذلك هو مقتضى حب أم سليم الصادق الذي سكن أعماق نفسها، أمسكت في يوم بيد ابنها أنس، وهو غلام في العاشرة من عمره، ومضت به إلى رسول الله، ووهبته له خادما، وقالت: خُوَيْدمك أنس. فتقبله رسول الله، وفرح به، ثم سألته الدعاء لولدها، بقلب الأم الحنون، التي تحرص على الخير لابنها، وتريد نفعه، وتسعى في صلاحه وفلاحه، فما كان من النبي الكريم، إلا أن دعا له فقال:(اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيما أعطيته)، واستجاب الله دعوة نبيه، فقال أنس بن مالك، بعد أن امتد به العمر، حتى كان آخر من مات من الصحابة:(فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولَدَ ولدي ليتعادُّون على نحو المائة اليوم).

عاشت أم سليم امرأة صالحة حسنت التَّبَعُّل لزوجها أبي طلحة الأنصاري، حتى كان منها هذا الموقف بل هذه المحمدة، مما تعجب منه النفوس، وتدهش منه العقول، فقد ولد لهما ابن، وكان أبو طلحة يحبه محبة شديدة، وأصيب هذا الصبي بمرض عضال، ألزمه الفراش، حتى تعبت من أجله نفس أبي طلحة، وتغير حاله، وكان الصبي يُداوى ويعالج، ولكن ما نفع فيه طب ولا فاد دواء، ففاضت روحه إلى بارئها، وأبو طلحة خارج الدار، يباشر عمله، فقالت أم سليم لأهل بيتها: لا يَنعينّ إلى أبي طلحة أحدٌ ابنه، حتى أكون أنا التي أنعاه له. فهيأت الصبي وسجّته، ووضعته في جانب البيت، ثم جاء أبو طلحة، وسأل كعادته عن حال ابنه، فقالت أم سليم: ما كان منذ اشتكى أسكن منه الساعة، وأرجو أن يكون قد استراح. وصدقت إذ الموت غاية راحة الحي، فاطمأن أبو طلحة وحسب أن ولده قد تحسنت حالته، ويوشك أن يبرأ من علته، ثم قربت له عشاءه، فأكل وشرب، ثم قام إلى فراشه لينام، وقامت هي فتطيبت وتصنعت له أحسن ما كانت تصنع له في غير هذه الليلة، وأقبلت عليه، فكان منه ما يكون من الرجل إلى أهله، وبات في ليلته هانئا، فلما أصبحا أنبأته بالخبر فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوما أعاروا قوما عارية لهم، فسألوهم إياها، أكان لهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فإن الله عز وجل، كان أعارك ابنك عارية، ثم قبضه إليه، فاحتسب واصبر. عَقَلت الصدمة لسان أبي طلحة، فما قَوِي على النطق، إلا أنه ملك أمره، فاسترجع وحمد الله، الذي لا يحمد على مكروهٍ سواه.

هكذا صنعت أم سليم وما ملأت الدنيا بكاء وعويلا لا يغني عنها شيئا، وما جعلت بيتها مبعث نكد، ولا مصدر صُراخ، أتطيق مثل ذلك النساء؟! سبحان الله خالق أم سليم، إن ما فعلته حقا لشيء عجاب، وإنه ليدل على صبر نفس، وإيمان قلب، وحكمة عقل. ثم إن أبا طلحة غدا إلى رسول الله، فأخبره بما كان في ليلته، فقال عليه الصلاة والسلام: (بارك الله لكما في ليلتكما)، وقد كان ذلك، فرُزقا فيما بعد ولداً زكيّا رضيا.

بقي من جوانب حياة أم سليم، جانب جهادها مع رسول الله، في المشاهد والمعارك، فقد كانت تخرج للجهاد تسقي العطشى، وتداوي الجرحى، كما فعلت ذلك يوم أحد، ولها في يوم حنين موقف ثبتت فيه حول النبي ثبات الصناديد، حينما تراجع المسلمون عنه على إثر مباغتة العدو لهم في واديهم، الذي كَمَنوا فيه، فلما رأت ذلك اتجهت نحو النبي مسرعة الخطى، وقد حزمت خنجرا في وسطها، وكانت يومئذ حاملا، حتى بلغت رسول الله وقالت بشدة وانفعال: يا رسول الله، اقتل هؤلاء الذين يفرون عنك، كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل. فسُر بها الرسول وابتسم وقال: (إن الله قد كفى وأحسن، يا أم سليم).

تستحق أن تحظى عند رسول الله

نفس كنفس أم سُليم لا شك أنها تستحق أن تحظى عند رسول الله، وتجازى قربا وتقديرا ومحبة، لذلك كان عليه الصلاة والسلام، يكثر من زيارتها والدخول عندها في بيتها، وكانت هي رضي الله عنها، تُتحفه في كل زيارة بالشيء تصنعه له، وكان أعظم جزاء من النبي لها، هو تبشيرها بما لها عند الله في الآخرة، من بشرى دخول جنة عدن، فقال:(رأيتني دخلت الجنة، فإذا أنا بالرميصاء، امرأة أبي طلحة).

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"