بقلم : علي محمد اليافعي السبت 02-07-2016 الساعة 12:51 ص

الزاهد الصادق.. أبو ذر الغِفاري

علي محمد اليافعي

قرعت الأنباء أُذني أبي ذر الغفاري، بظهور رجل بمكة، يزعم أنه نبي، ويدعو إلى عبادة الله وحدَه، وعدم الإشراك به، وقد كان أبو ذر رجلا ممن أنفوا التعبد للأوثان في الجاهلية، واعتقدوا بوجود الله العظيم، خالق كل شيء سبحانه، فلم يكد يسمع بتلك الأنباء حتى أراد أن يعلم ما هو خبر ذلك الرجل النبي، وما هي دعوته.. وأراد أن يستوثق من حقيقة الأمر، ويكون على بينة منه، فطلب إلى أخيه أُنيس أن يذهب إلى مكة ليأتيه بالخبر اليقين، ولا يبطئن ولا يشعرن به أحداً، فقال أنيس لأخيه أبي ذر: لبيك يا أخي. وانطلق صَوْب مكة ليعلمَ له خبر محمد عليه الصلاة والسلام، حتى بلغها ومكث فيها قليلا، يستقصي الأخبار، وما لبث أن عاد مسرعا إلى أخيه، فلما رآه أبو ذر قال: ما عندك؟ قال: والله لقد رأيت رجلا، يأمر بالخير، وينهى عن الشر، ويدعو إلى مكارم الأخلاق. ولكن أبا ذر قال: لم تشفني من الخبر.

فرأى أن يذهب هو بنفسه إلى مكة، وأعد راحلته، واحتمل قطع البيد، ومشقة الرحيل إلى أن قدم مكة، ودخلها وأراد في نفسه ألا يعلم أحد سبب مقدمه، فأخفى حاجته، ولم يأخذ في السؤال عن رسول الله، حتى يبدو له الأمر بنفسه ويظهر له، وكان أبو ذر في أثناء إقامته يشرب من ماء زمزم، لا يدخل جوفه شيء سواه فكان فيه كل الغَناء، وجعل يجلس في المسجد الحرام، فمر به يوما علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فقال له: كأن الرجلَ غريب. قال: نعم. فاستدعاه علي من ثم إلى منزله وأضافه ثلاثة أيام، لا يسأل أحدهما صاحبه عن شيء، وفي اليوم الثالث قال علي لأبي ذر: ما أمرك؟ وما أقدمك هذه البلدة؟ قال: إنْ كتمت علي أخبرتك. قال علي: فإني أفعل. فأنشأ أبو ذر يقول: بلغنا أنه قد خرج ههنا رجل يزعم أنه نبي، فأرسلت أخي ليعرف خبره، فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه. قال علي: أمَا إنك قد رَشَدت، هذا وجهي إليه فاتبعني، ادخل حيث أدخل، وإني إن رأيت أحداً أخافه عليك، قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي، وامضِ أنت.

فمضى علي ومعه أبو ذر، حتى دخلا على النبي عليه الصلاة والسلام، فطلب أبو ذر منه أن يعرض عليه الإسلام، فعرضه وما أبطأ أن أسلم أبو ذر، ثم قال له رسول الله "يا أبا ذر، اكتم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل"، قال: والذي بعثك بالحق، لأصرخنّ بها بين أظهرهم، فجاء إلى الكعبة وحولها قريش، فقال بأعلى صوته: يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فقال القوم: قوموا إلى هذا الصابئ، فقاموا إليه وأوسعوه ضربا، وكان قريبا من هذا المشهد، العباس عم النبي، فأقبل وأدرك أبا ذر، قائلا لقريش ليكفوا عن ضربه: ويلكم، تقتلون رجلا من غِفار، ومتجركم وممركم على غفار. فأقلعوا عنه وتركوه، وفي الغد عاد أبو ذر إلى مثل ما قال بالأمس، فكان من قريش مثل فعلهم الأول، وكان من العباس أيضا، مثل فعله أول مرة.

ذلك هو أبو ذر، رضي الله عنه، منذ أن أسلم، لا يخشى ولا يبالي شيئا أبدا في سبيل الجهر بالحق والصدق، وإن كان فيه ذهاب نفسه، فاستحق لذلك، أن يقول فيه رسول الله "ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء أصدقَ لهجةً من أبي ذر".

عاد أبو ذر من بعدُ إلى قومه وبلده، كما أمره النبي، وجعل هناك يدعو عشيرته، وأبناء غفار جميعا إلى ما تدعو إليه مبادئ الإسلام وأصوله، من مكارم الأخلاق والفضائل مما يرتكز عليه الدين، حتى أخذ نور الإسلام ينتشر وينير العقول، فأسلم الكثير منهم رجالا ونساء، ثم انتقل أبو ذر إلى قبيلة (أسلم)، المجاورة لهم، وكان أن رددوا صدى نداء الإسلام بأفئدتهم وأسلموا كما أسلمت غفار.

في يوم من الأيام بعد واقعة الخندق، أزمع أبو ذر الهجرة إلى المدينة، بعد أن ظهر فيها أمر الإسلام، وصار للمسلمين دولة وكيان، منفذا وصية رسول الله له يوم إسلامه، وسار معه من أسلم من قبيلتي غفار وأسلم، وقدموا جميعا في جمع غفير على النبي، فلما رأى عليه الصلاة والسلام، أبا ذر، روي أنه وَهِمَ في اسمه فقال: أنت أبو نملة. فقال له: أنا أبو ذر، يا رسول الله. فقال: نعم، أبو ذر. ولعل النبي أحب مداعبته فيما قاله، والذَّر معروف أنه صغار النمل. ثم ألقى رسول الله نظرة على وفود غفار وأسلم، مملوءة بالرحمة والعطف لهم، والرضا والشكر لله، وقال داعيا لهم "غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله". ولقد كانت أيضا لرسول الله نظرةٌ ملهَمة بوحي السماء توجه بها إلى أبي ذر، استشف من خلالها طبيعة نفس أبي ذر، وعلم الصفة التي ستحكم حياته في الإسلام ويحيا عليها إلى أن يلقى وجه ربه الكريم، ألا وهي صفة الزهد، فكان أن قال عليه الصلاة والسلام "أبو ذر في أمتي، على زهد عيسى بن مريم"، ولقد تحقق هذا القول، وصَدُق أيَّ صدق في حياة أبي ذر، فلم تلهه الدنيا بزينتها وزخارفها، ولم تفتنه بمظاهرها ومباهجها، فيتغير من ثم ويغتر، بل عاش حياته في حدود معنى الزهد، داعيا إلى فكرته، معلنا الحرب المستعرة على طغيان حب المادة والمال، وتطاول معاني الترف والثراء. كان يرى أن خير الناس هم الزاهدون، وأن يوم فقر الإنسان الحقيقي، هو يوم يوضع في القبر، كما يرى أن كثرة المال تستلزم وتستوجب شدة الحساب، فمن أقواله: ذو الدرهمين أشد حسابا من ذي الدرهم. وكان عنده أن في الأموال ثلاثةَ شركاء، هم كما قال: القدر: لا يستأمرك أن يذهب بخيرها أو شرها، من هلاك أو موت. والوارث: ينتظر أن تضع رأسك، ثم يستاقها وأنت ذميم. وأنت الثالث: فإن استطعت ألا تكون أعجز الثلاثة، فلا تكونن، فإن الله عز وجل يقول (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون).

يرحم الله أبا ذر

لما دنا أجله كان إلى جواره زوجه وهي تبكي بكاءً شديداً على زوجها الذي يموت وليس عنده كفن يسعه، فقال مهونا عليها «لا تبكي، فإني سمعت رسول الله، ذات يوم وأنا عنده في نفر من أصحابه، يقول: ليموتنّ رجل منكم بفلاة من الأرض، تشهده عصابة من المؤمنين، وكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية، ولم يبقَ منهم غيري، وهأنذا بالفلاة أموت، فراقبي الطريق فستطلع علينا عصابة من المؤمنين»، ثم فاضت روحه إلى الله، وسمت إلى عليين. فأطلت زوجه على الطريق مترقبة قدوم أحد، فما لبثت طويلا أن رأت قافلة آتية من بعيد تشق غبار الفلاة، حتى وقفت عندها، وكانت تلك القافلة تضم نفرا من المؤمنين، منهم عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، الذي رأى امرأة وبجوارها جثمان مسجى، فأقبل ليرى ما شأنها، ثم نظر وجه الميْت، فإذا به يرى صاحبه وصديقه أبا ذر، فأجهش بالبكاء بدمع غزير وطفق يقبله، وتذكر مقولة سمعها يوما مع الصحابة، من رسول الله، في أبي ذر، وهي قوله عليه الصلاة والسلام «يرحم الله أبا ذر، يمشي وحدَه، ويموت وحدَه، ويبعث وحده».

أبعد هذا الحديث قول يقال في حق أبي ذر، رضي الله عنه، أكبر منه وأعظم، هيهات هيهات، حقا إنه لرجل نسيج وَحْدِه.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"