بقلم : نعيم محمد عبد الغني السبت 02-07-2016 الساعة 01:07 ص

بين «تنزل الملائكة» و»تتنزل»

نعيم محمد عبد الغني

لفظ "تنزل" "وتتنزل" من المتشابهات في القرآن الكريم، حيث ورد قوله -تعالى-: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ" سورة فصلت: 30 بينما ورد الفعل تنزل في موضعين: الأول في الشعراء والثاني في سورة القدر، حيث قال الله -تعالى-: "هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ، يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ" الشعراء (221- 222) وقوله -تعالى- في سورة القدر: "تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر"، فما الفرق بين التعبيرين؟

أقول والله أعلم: إن القاعدة اللغوية تقول: إن الزيادة في المبنى تعقبها زيادة في المعنى، وفي الموضع الأول بسورة فصلت جاءت الزيادة فدل على أن هناك معنى مغايرا لمعنى تنزل، فتتابع التاء توحي بأن هناك تتابعا في نزول الملائكة، ويؤيد هذا التتابع وجود الفعل المضارع الذي يدل على التجدد والاستمرار، فالملائكة يتتابع نزولها على عباد الله الصالحين يبشرونهم بالجنة وعدم الخوف والحزن، ويؤيد هذا الفهم السياق الذي وردت فيه كلمة "تتنزل"، حيث إنها وردت بعد حديث الله عن القرآن الذي فصلت آياته لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا، لكن كثيرا من الناس أعرضوا مثل عاد وثمود الذين استحبوا العمى على الهدى، ليأتي النذير بعقابهم وحشرهم في الآخرة، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بماكانوا يعملون، وفي أثناء هذا المشهد يقول الله "وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون"، ثم يقول بعد انتهاء مشهد عذابهم "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا" ثم يقول: "نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة"، فلن يكون هناك قرناء ليزينوا لكم الباطل كالكفار الذين عرضت لهم من قبل، بل أنتم تحرسكم الملائكة في حياتكم وبعد موتكم.

إن الدكتور فاضل السامرائي يرى أن تنزل الملائكة يكون متكررا عند الموت، وأنا أوافقه في شطر مما قال، وأزيد عليه بأن الملائكة تصحب العبد المسلم دوما في حياته فالمنفق ينادي عليه الملك اللهم أعط منفقا خلفا، وفي الحديث عن أبي هريرة عن محمد رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: «يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟ قالوا: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون» فدل هذا الحديث على استمرار تعاقب الملائكة وتنزلها على عباد الله الصالحين في الحياة الدنيا وصحبتهم لأرواحهم بعد مماتهم. ويؤيد قولي أيضا أن المفسرين أنفسهم اختلفوا في أوقات تنزل الملائكة على عباد الله الصالحين، قال الفخر الرازي: "ثُمَّ قَالَ: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ قِيلَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَقِيلَ فِي مَوَاقِفَ ثَلَاثَةٍ عِنْدَ الْمَوْتِ وَفِي الْقَبْرِ وَعِنْدَ الْبَعْثِ إِلَى الْقِيَامَةِ" 27/650. أما "تنزل" فيدل على أن الملائكة تنزل مرة واحدة في ليلة القدر التي اختصت بشهر رمضان فقط، وفيها قال المفسرون: "تنزل الملائكة ومعهم جبريل في ليلة القدر، بالرحمة من الله، والسلام على أوليائه، فيسلمون على كل عبد قائم، أو قاعد يذكر الله".

أما "تنزل الشياطين" فإنهم لا ينزلون على كل الناس بل على الكهنة منهم الذين وصفهم الله بأنهم "كل أفاك أثيم"، فنزول الشياطين على فئة محدودة استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"